//Put this in the section //Vbout Automation
وسام سعادة - القدس العربي

النيء والمطبوخ في تعيينات “المجلس الدستوري” – وسام سعادة – نداء الوطن

كما درجت العادة، يسوّغ الرئيس نبيه برّي كلّ قرار يتخذ تحت قبة البرلمان وينال رضاه، بالرجوع إلى مقولة “المجلس سيّد نفسه”. عاد واستخدمها أخيراً بإزاء الإعتراضات على أسلوب توافق الكتل الرئيسية على الأسماء الخمسة التي يختارها مجلس النواب لعضوية المجلس الدستوري. فقد أُقحمت هذه التعيينات، إلى جانب رزمة من القوانين المقرّة في جلسة تشريعية مكثّفة، ومن دون الدعوة مسبقاً إلى جلسة مكرّسة لهذا الغرض، ومن دون تداول برلماني من أي نوع في المعايير التي جرى اعتمادها لاختيار القضاة. كان الرأي بأن تؤكل نيئة، على اعتبار أنّ التكلّف في الطهو كفيل بإفسادها … فسُلقت!

المبرّر الفعلي للكتل الرئيسية أنّه حين يتأمّن التفاهم على تعيين ما، فهذا لا يحتمل تأجيله يوماً واحداً خشية اهتزاز التفاهم نفسه، ولا بدّ بالتالي من تمريره في لحظته. وبما أنّ الحكومة برلمان مصغّر تتمثّل فيه معظم الكتل، ينتظر أن تستكمل تعيينات “الدستوري” على طاولتها، في القريب، ولو أنّ “التفاهم” هنا أيضاً لا يمكن الحديث عنه إلا حين يُتمّم. النظام السياسي يعيش منذ سنوات على هذا النوع من التفاهمات المتخففة من “الفولكلور” المؤسساتيّ ومن المواعيد الدستورية والقانونية اللازمة. يتعطّل كل شيء إلى حين تأمينها، ولا يمكن حين تأمين أيّ منها التأخير في البتّ به لحظة واحدة، خشية أن يضيع هذا التفاهم. لا تؤجّل تفاهم اليوم إلى الغد، فلا يعود مضموناً: هذه واحدة من القواعد العملية الذي يسير عليها نظامنا السياسي. التتمة المنطقية لذلك أنّ التفاهمات لا تحتمل كثرة التداول والنقاش في شأنها. من هنا، حضرت مرة جديدة مقولة “المجلس سيّد نفسه”، وهذه المرّة بإزاء أعضاء في هذا المجلس أرادوا مناقشة ما قرّرته الكتل البرلمانية الرئيسية، إنما خارج الأروقة المؤسساتية للمجلس، لجاناً وهيئة عامة ومكتب مجلس.




تعيدنا مقولة “المجلس سيّد نفسه” إلى السؤال المزدوج حول السيادة والدستور. فإذا كان المجلس النيابي، مجسّداً برئيسه، “سيّد نفسه”، ويفسّر الدستور بنفسه، فما نوع “السيادة” التي ينقلها بدوره إلى المجلس الدستوري؟!

لقد نصّ اتفاق الطائف، الذي تحلّ في أيلول من هذا العام ذكراه الثلاثينية، على أن يقوم المجلس الدستوري بـ”تفسير الدستور”، وليس فقط مراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الإنتخابات الرئاسية والنيابية، ناهيك عن حق مراجعته من قبل رؤساء الطوائف “تأميناً لمبدأ الإنسجام بين الدين والدولة”، في متعلّقات الأحوال الشخصية وحرية المعتقد وحرية التعليم الديني. لكن حين أدخلت تعديلات الطائف على الدستور سقط منها “سهواً” سلطة المجلس الدستوري في “تفسير الدستور”. “طارت” أيضاً مقولة “الإنسجام بين الدين والدولة” التي كانت تمنحه هالة إضافية. كان “الدستوري” واحداً من أهم الإصلاحات الواعدة في الطائف. جرت “خيانتها” في اللحظة نفسها التي أدخل فيها الطائف على الدستور. ساهم ذلك في تعكير الفصل بين السلطات، والحؤول دون ممارسة القضاء ككل دوره كسلطة دستورية، وانقسم الملأ بين اتجاهين، أحدهما يعتبر رئيس الجمهورية المرجع التفسيري الفصل للدستور، وآخر ينيط هذا الدور بالمجلس النيابيّ، أي بسيّده، رئيس المجلس.

تجربة “المجلس الدستوري” منذ عقود وإلى اليوم غير مشجّعة. عجز مراراً عن الحؤول دون تعديلات تعسفية على الدستور والتمديد الكيفي لمجلس النواب، وفشل في مراقبة دستورية قوانين الإنتخاب، وينقسم الرأي حول حصيلة نظره في الطعون الإنتخابية.

لم يراقب المجلس دستورية القوانين كفاية، ولا المجال متسع لمراقبة دستورية اختيار اعضائه … هذا في وقت مراقبة دستورية القوانين سقف لا يكفي. فضمان الحقوق الدستورية للمواطنين، وضمان عدم الشغور في المؤسسات الدستورية، مسألتان سياديتان أساسيّتان لا يمكن بمعزل عنهما أن يتحوّل القضاء إلى سلطة دستورية قائمة بذاتها، وليس لهما اليوم من هيئة قضائية عليا تتولى شأنهما.