//Put this in the section //Vbout Automation

العنصرية اللبنانية تجني ثمارها في كازاخستان

منير الربيع – المدن

“وفي الأقدار بعض من اللؤم”. ما تفرضه الظروف، يحتّم تغيير الاهتمامات. في وقت كان لبنان يستعد للمشاركة في لقاءات آستانة لمواكبة مسار الازمة السورية، هبّت رياح كازاخية محمّلة بموجات من العنصرية تجاه مهندسين وعمّال لبنانيين وعرب. فأصبحت حاجة لبنان إلى إرسال الوفود اللبنانية لمواكبة أحوال مواطنيهم الذين يعانون الأهوال في تلك البلاد، بعد عمليات العنف القاسية التي تعرّضوا لها. وكأن القدر، ولا مجال للسخرية هنا، يفرض ميزانه. فلبنان الذي لم تعد تتّسع له الدنيا التي يجوبها مسؤولوه، طارحين أنفسهم مخلّصين ومنقذين لأزمات المنطقة والعالم، وضع أمام استحقاق العمل على توفير الأمن لأبنائه في بعض دول المهجر.

أوهام اللبنانيون
كان لبنان يريد المشاركة في مسار آستانة، للبحث في حلول الأزمة السورية، ومعالجة أزمة اللاجئين فيه. وهذا أمر مطلوب وأساسي. لكنّ ما يريده لبنان وفق مسار ساسته، ليس العمل بجدّ، إنما العمل الاستعراضي، فيقدّمون أنفسهم تارة “معابر” لحلّ أزمات المنطقة، وطوراً يدّعون ما هو أكبر منهم، من خلال التعبير عن طموحات بأنّ لبنان يستعد للعب دور محوري في العالم على صعيد الأزمات بين الشرق والغرب، وبين المسيحيين والمسلمين، وبأن سوريا ليست وحدها من تنتظره للمشاركة في حلّ أزمتها، بل فلسطين والجزائر والسودان. لكن القدر يقول كلمته، والطبيعة تفرض نفسها ومسارها، لتنزل اللبنانيين عن حبال أوهامهم، وتعيدهم إلى حيث يجب أن تتوجّه اهتماماتهم، أي معالجة أوضاع الداخل، واتساعاً نحو معالجة أوضاع العمالة اللبنانية في الخارج، من خلال توفير الحماية لهم وإبرام الاتفاقات وانتهاج سياسة توفّر تلك الحماية على مصادر أرزاقهم وعلى حيواتهم. وهذه لا بد أن تقرن بتحرّكات سريعة مختلفة عن الاتصالات التي أجريت من قبل رئيس الحكومة ووزارتي الخارجية والدفاع لتأمين سلامة اللبنانيين، أو إبعادهم عن نطاق الاعتداءات. والأساس أن تعالج القضية على مستوى الدولة، بعيداً من محاولات أي طرف تسجيل النقاط أو المزايدات، وعدم الاكتفاء بإجراء الاتصالات التي حصلت.




الطاقة الاغترابية
لم تكد تمضي أيام على مؤتمر الطاقة الاغترابية، حتّى فرضت على الاغتراب اللبناني مشكلة تنتظر من يعمل على حلّها. فماذا بإمكان تلك المؤتمرات أن تفعل لحماية اللبنانيين في كازاخستان؟ ولو تعرّض اللبنانيون لما تعرّضوا له على أيدي الكازاخيين، في إحدى الدول الأخرى نتيجة خطاب فوقي أو عنصري من “التحف” اللبنانية البارزة أخيراً، ما الذي بالإمكان فعله؟ في كازاخستان تشير المعلومات إلى طرد عشرات العمال اللبنانيين والعرب، بسبب الإشكالات التي حصلت. ولكن ماذا ستكون التداعيات لو أن ما حصل قد حلّ باللبنانيين في دول الخليج مثلاً؟ فالجهات الراعية لمؤتمرات الطاقة الاغترابية لا تترك نافذة يتنفّس منها اللبنانيون، ليس في الممارسة السياسية للسلطة الرسمية اللبنانية فحسب، بل حتّى بسبب خطابات شعبوية، تدّعي التفوق والفوقية.

المشكلة في مكان آخر
بمعزل عن الأسباب الحقيقية للمشكلة، وما اذا كانت هذه الشراسة والهمجية الكازاخية التي مورست ضد اللبنانيين والعرب، هي بسبب صورة اعتبرها السكان الأصليون مسيئة. قد يكون ذلك بمثابة “نقطة الماء التي فاض بها الكأس”. ففي الأساس، هناك مشكلة حقيقية حول اختلاف مستوى الأجور وطبيعة العمل، بين العمّال الأجانب والعمّال المواطنين. ولأن القدر لا يرحم، لم تكن تلك الاعتداءات الهمجية التي تعرّض لها اللبنانيون، إلا بعد عراضات لبنانية ضد العمّال واللاجئين السوريين.
وهنا لا بد من التسجيل بأنّ الواجبات الحمائية للمواطنيين الكازاخيين تقع على عاتق مؤسسات الدولة وقوانينها، ولا يمكن تحميل المسؤولية للعامل. كما بالنسبة إلى السوريين في لبنان، كذلك بالنسبة إلى اللبنانيين في كازاخستان، أو غيرها من الدول. فاللبنانيون مثلاً ينتشرون في أصقاع العالم، طلباً للرزق. ولبنان يرتكز في صموده الاقتصادي على التكافل الاجتماعي الذي يوفّر واردات مالية هائلة من الخارج. فمن حق اللبناني البحث عن عمل أنّى وجد رزقه، ومن واجب الدول حماية عمالتها ومواطنيها وفق قوانينها. فلا يمكن تحميل المسؤولية للبناني في الخارج، أو للسوري في لبنان. أما منطق “ما بيحرّك شغلك، إلا ابن بلدك” فلا يختلف عن الصلافة اللبنانية، التي لا تنظر إلّا بعين قصيرة وضيقة، من دون حساب. فماذا لو رفعت دول الخليج مثلاً هذا النوع من الشعارات التي ستطال اللبنانيين؟

التواضع
وضعت الاعتداءات الكازاخية اللبنانيين والدولة اللبنانية أمام استحقاق عاجل وسريع، وهو إيجاد السبل لتوفير الحماية الشخصية والعملية لهم. يجب أن يضع الاعتداء  السلطات اللبنانية أمام خيار التواضع للتبصّر في كيفية مقاربة الأمور. فحتّى الآن ليس على لبنان أن يفعل غير حماية مواطنيه، مقيمين ومهاجرين أو مغتربين او منتشرين. وتلك المقاربة من شأنها أن تضع المسؤولين اللبنانيين الممسوسين بداء “العنصرية” أمام استحقاق نبذها فكرياً واجتماعياً، لأن ما يمارسونه في الداخل ظنّاً منهم بأنه سيحمي “التنوع” ويحفظ “اللبنانوية؛، سينعكس عليهم في الخارج، وفق منطق تنامي العنصريات اليمينية شرقاً وغرباً. تلك هي المعادلات التي تأكل أبناءها.