//Put this in the section

بين الشيخ والبيك خطوط حمر تحدّد الخلافات

اسكندر خشاشو – النهار

لا يختلف اثنان اليوم على أن العلاقة الحالية بين الرئيس سعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط ليست على ما يرام، والبنيان السياسي الذي راكم الحليفان اللدودان بناءه عبر السنين، وفق ما يسميهما أحد قياديي الحزب التقدمي الاشتراكي، يشهد اهتزازات كبيرة وتشققات، لكن حتى الآن لم تصل إلى حدود الانهيار.




وفي مراجعة للعلاقة بين الزعيمين، ففد شهدت العديد من الطلعات والنزلات، ومنذ دخول سعد الحريري إلى الحياة السياسية كان جنبلاط الحليف والصديق والراعي، بالرغم مما شهدته تلك المرحلة من ضغوط واغتيالات وأحداث داخليه وخارجية، أبرزها أحداث 7 أيار، والحرب الإسرائيلية على لبنان، وزيارة الحريري إلى سوريا، وخروج جنبلاط من فريق 14 آذار وتشكيل ما يسمى الحالة الوسطية.

في عام 2011 شهدت هذه العلاقة اهتزازاً جدياً، عندما سار وليد جنبلاط في التسوية التي أوصلت نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة وساهمت في نفي سياسي طوعي للحريري إلى الخارج. ورغم تفهّم الحريري للأوضاع الإقليمية والتهديدات والضغوطات الداخلية والتهديد العسكري عبر عراضة القمصان السود التي تعرّض لها جنبلاط، إلاّ أنها تركت جرحاً عميقاً في العلاقة بين الرجلين.

وخلال الفترة التي سبقت التسوية الرئاسية الأخيرة، استمر جنبلاط في لعب الدور الوسطي، مع المحافظة على العلاقة التحالفية مع الحريري، وممتّناً في الوقت عينه، وضعيته السياسية، ومكرّساً نفسه شريكاً أساسياً في الحكم وجنّاته، وزعيماً أوحد على طائفته. وبعد عودة الحريري حاملاً مبادرة رئاسية بترشيح حليف سوريا سليمان فرنجية للرئاسة، تلقّفها جنبلاط وسار معه بها. إن التحوّل الحقيقي في العلاقة بدأ مع دخول الحريري في التسوية الرئاسية التي أوصلت العماد ميشال عون. وعلى الرغم من دخول جنبلاط فيها متأخراً وعلى مضض، إلّا أنه استشعر بها انقلاباً وتحجيماً لدوره. وبدأت الهجومات بين الفريقين تعنُف منذ لحظة إعلان الحريري تبني ترشيح ميشال عون، وأصبح الصديقان بحاجة إلى وسيط دائم لحل الأمور بينهما، بدءاً بعشاء كليمنصو الشهير الذي جمعهما بحضور رئيس مجلس النواب نبيه بري، وليس انتهاء بعشاء عين التينة الذي جمع الثلاثة أيضاً.

وبين العشاءين شهدت العلاقة مساراً انحدارياً كبيراً. فالحريري الذي أتم اتفاقه الشامل مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وضمُن توليه رئاسة الحكومة طوال مدة العهد، إضافة إلى تفاصيل الحكم من الوزارات والتعيينات وغيرها، لم يعد بحاجة إلى رعاية من أحد. كما أن التحالف بين القوتين الأساسيتين السنية والمسيحية، وغطاء القوة الشيعية الأكبر، جعل دور جنبلاط هامشياً ولا تأثير كبيراً له، وبالتالي بدأ الأخير باستشعار سحب البساط الذهبي الذي حظي به منذ الـ2005 من تحت رجليه.

 صولات وجولات

مخاوف جنبلاط بدأت تتحقق بدءاً بقانون الانتخاب الذي اعتبره وُضع خصيصاً لتحجيمه، إلى التحالفات الانتخابية التي كانت في السابق تحتاج إلى جلسة واحدة يتفق فيها رئيسا الحزبين على التحالف والأسماء من دون جهد. الا أن انتخابات 2018 احتاجت إلى صولات وجولات من المفاوضات المضنية، وانتهت بولادات قيصرية لتحالفات هشّة في اللحظات الأخيرة في الشوف وراشيا، ومعركة قاسية بينهما في مرجعيون – حاصبيا، انتقالاً إلى تشكيل الحكومة وعدم قتال الحريري إلى جانبه بمطالبه التمثّل بثلاثة مقاعد، مروراً بالتضييق على أنصاره في الوزارات والإدارات العامة، كما حدث في وزارة الطاقة ووزارة البيئة، وضرب مواقعه في المؤسسات الأمنية وفي السلك القضائي من دون اعتراض من الحريري، لا بل إن بعضها كان بغطاء منه، وربما التسريب الأخير لمحادثة عبر “الواتس آب” بينه وبين مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان وفيها هجوم على الحريري، أكبر دليل على ذلك.

 ولم تقف الأمور عند هذا الحد. فإن الحريري لم يعترض على إعطاء اكثر حقيبتين حساستين بالنسبة إلى جنبلاط (المهجرين والنازحين) إلى خصومه المباشرين في الجبل. واستمرت الأمور، بمحاولة حصر نفوذه في إقليم الخروب والتضييق عليه، وهو ما يعتبره جنبلاط الحديقة الخلفية للمختارة، وقضية حساسة جداً للزعامة الجنبلاطية. ولم يكن مفاجئاً السجال العنيف الذي وقع بين الطرفين على موضوع تولي رئاسة بلدية شحيم، فهو ليس مجرد رئاسة مجلس بلدية، إنما حركة سياسية في الإقليم بشكل عام، إضافة إلى أن تعييناً صغيراً ولو كان درجة ثانية من الطائفة الدرزية أصبح يحتاج إلى معركة، وهذا ما تشهده التعيينات الحالية الذي يرفض فيها الوزير جبران باسيل إعطاء جنبلاط الحصة الدرزية من دون تدخل الحريري بالأمر، فيما تشير المعلومات إلى أن هناك اتفاقاً بين الحريري وباسيل بإعطاء 15 بالمئة من التعيينات للنائب طلال أرسلان. هذا المسار ترافق مع حركات أمنية تستهدف مباشرة البيئة الجنبلاطية، بدءاً من إشكال الشويفات ومقتل أحد كوادر الحزب الاشتراكي وتهريب المتهمين وعدم تسليمهم، وعراضة في المختارة من أنصار الوزير السابق وئام وهاب، واشتباك مسلح في ضهر البيدر على خلفية كسارات آل فتوش، انتهاءً بالإشكال الأمني الأخير الذي أودى بحياة شابين من مرافقي الوزير صالح الغريب.

جميع هذه الوقائع تشير إلى أن العلاقة بين الرجلين وصلت إلى طريق اللاعودة، إلى أن حصلت حادثة قبرشمون، وغيرت المسار، هذه المرة تحرك الحريري ولم يترك الأمور، ووقف إلى جانب صديقه وليد جنبلاط، رافضاً إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وفي هذا الإطار تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن موقف الحريري الأخير لا يعني عودة العلاقات إلى طبيعتها بين الفريقين، بل تنطلق من أساسيات وجودية لا يمكن تجاوزها، أولها انه لا يمكن للحريري أن يساهم في كسر وليد جنبلاط. فهناك خطوط حمر وتاريخ مشترك وتضحيات لا يمكن تجاوزها. فكلام الوزير جبران باسيل عن محاسبة من أعطى الأمر بالتحرك والتسريبات عن اجتماع بين وزيري الدفاع والعدل وطرح بعض السيناريوات التي تتعلق بشخص وليد جنبلاط، دفعته إلى رفض هذه المحاولات بالمطلق. أما الأمر الثاني فهو ما يتعلق بحكومته. فتسليم رأس وليد جنبلاط إلى تحالف “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” يعني تسليم الحكومة بكاملها، وبالتالي تسليم نفسه. إن هذا الموضوع لا يمكن تحمّله. وثالثاً والأهم هو التماهي بين الفريقين في الأمور الاستراتيجية، كموضوع العلاقة مع النظام السوري وقضية النازحين وموضوع “حزب الله”. فمهما كبرت  الخلافات التكتيكية الداخلية يبقى جنبلاط حليفاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه.

ضبط الأمور

في المقابل يؤكد مصدر قيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي على عدم عودة العلاقات التحالفية بين الفريقين، إنما تم ضبط الأمور. والاتفاق على العديد من الخطوات في العشاء الأخير في عين التينة، يريح العلاقة بين الفريقين. وقدم جنبلاط خلال هذا العشاء شكره للحريري على موقفه من مقررات المجلس العدلي وتحركه الرافض لأي محاولة اغتيال سياسي كان يتم التحضير لها بعد الحوادث الأخيرة، مذكراً برفض جنبلاط أيضاً المس بالخطوط الحمر مهما بلغت علاقاته التحالفية الخارجية، ورفضه أيضاً تسليم رأس الحريري خلال الأزمة الأخيرة في السعودية، عندما رفض الكلام مع أحد الموفدين الخارجيين والحديث عن تولي غير سعد الحريري الزعامة الحريرية.

ويعترف المصدر أن جنبلاط لم يحصل على ما يريد من الحريري، وهو لا يرغب بتقييد رئيس الحكومة ولا تحالفاته السياسية، ولكن في الوقت نفسه لفت نظره إلى أن بعض التصرفات دفعت باقي الأطراف إلى التعاطي معه كقوة منعزلة يسهل ضربها، وهذا يخلّ بالتوازن ويسبب الاضطرابات، ويتماهى بطريقة غير مباشرة مع أمر عمليات خارج الحدود لضرب جنبلاط.

وأبدى المصدر تفاؤله بعودة العلاقات تدريجياً إلى متانتها السابقة، فالحليفان اللدودان بحاجة إلى بعضهما البعض، وانكسار أحدهما يعني انكسار الآخر بشكل غير مباشر.