//Put this in the section

باسيل يتسلّح بدعم عون وتغطيته… ماذا يربح العهد من الاصطفافات والتعطيل؟

ابراهيم حيدر – النهار

لا أحد يستطيع القول إن أمور العهد على ما يرام، ولا أحد يمكنه الجزم بأن الرئيس ميشال عون قادر في ضوء المشكلات والأزمات الراهنة على فرض ما يسميه هيبة الدولة. يؤخذ على رئيس الجمهورية، وفق سياسي متابع، أنه عند الأزمات المفصلية التي يكون فيها “#التيار_الوطني_الحر” طرفاً، لا يحسم القرار انطلاقاً من موقعه كحكَم، فإما يستمر بإدارة التناقضات وإما يقدم نفسه طرفاً حين تصل الامور الى المسّ بموقع “العونية” التي رفع شعار تنفيذ برنامجها عند الوصول الى قصر بعبدا.




لم يُسجل مثلاً للرئيس عون أي موقف لإعادة لمّ شمل مجلس الوزراء. الثلث المعطل وفقدان النصاب جرى، وفق السياسي، برضى من رئيس الجمهورية، وكأن رئيس الحكومة سعد الحريري واجه تكتلاً معطِّلاً وليس ضامناً تصدّره “التيار الوطني الحر” مع وزراء العهد، فانكشفت قدرته على التعطيل والمشاركة في القرار مع رئيس الحكومة في محطات كثيرة، خصوصاً عند مناقشة مشروع موازنة 2019، إذ إن السياسي نفسه يكشف أن رئيس الجمهورية كان إلى جانب رئيس “التيار” الوزير جبران باسيل الذي تناوب مع وزير الاقتصاد منصور بطيش على المناقشة والتشبث بموقف “التيار” قبل أن تتقدم تسوية الأرقام وتحال الموازنة على مجلس النواب.

جاءت زيارة باسيل الأخيرة إلى طرابلس بعد مشكلة الجبل لتطرح المزيد من التساؤلات حول موقف عون من حراك وزير الخارجية، وهل يغطيه في السياسة والطائفة؟ إذ لا يمكن، وفق السياسي، الفصل اليوم بين عون وتياره، وكل الإشارات تؤكد أن العهد يدعم باسيل ويرى في سياسته تنفيذاً لمشروعه باستعادة الصلاحيات وتعديل التوازنات، وإن كانت الامور تأخذ البلد في مسار انحداري. لكن باسيل يحاول أن يقدم نفسه شخصية مختلفة أو مستقلة، وإن كان يطمح الى أن يكون وريثاً سياسياً، بعدما تبوأ رئاسة التيار العوني وأصبح مقرراً في الحكومة والحكم أيضاً. وعندما يخوض باسيل معاركه لا يفصلها عن معارك رئاسة الجمهورية، بل يتسلح بها لترسيخ مكانته وموقعه ودوره، فيتعرض للاستهداف من قوى عدة، تحيّد بدورها العهد، ولا تتعرض للرئيس عون ولا تحمّله المسؤولية، حتى “القوات اللبنانية” مثلاً تحمّل باسيل مسؤولية إسقاط اتفاق معراب ومحاولة الهيمنة على القرار المسيحي، في الوقت الذي تؤكد حرصها على العلاقة مع رئيس الجمهورية. والمفارقة أن العهد يحتضن باسيل حتى في مواقفه التي تثير حساسية وجدلاً لدى الطوائف الأخرى. الهدف، وفق السياسي، هو ترسيخ مكانة باسيل كاستمرار للعونية ذاتها. وعندما يدعمه الرئيس عون، فإنه يريد أن يشكل موقعاً ندّياً مع القوى الأخرى، بدءاً من سمير جعجع إلى وليد جنبلاط وحتى الرئيس نبيه بري، وبالطبع رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي بات يتعامل مع باسيل كمقرر ووريث لعون، لذا أخذت التسوية لديه امتداداً نحو صاحب القرار، اي باسيل، فيما تسوية الرئاسة مع عون يجب ألّا تهتز وممنوع على أحد العبث بها.

اللافت أن باسيل في زيارته لطرابلس حيّد الحريري عن السجال، ووجّه سهامه الى “القوات اللبنانية”، مستثيرا ذاكرة الحرب لدى الطرابلسيين وقضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي، ولم يستثنِ جنبلاط أيضاً، ورفع سقف كلامه على نحو أوحى أن جعجع وجنبلاط يتآمران على رئاسة الحكومة ويحاولان مصادرة قرارها، وهذا يدل على أن رئيس “التيار الوطني الحر” يرى أن التحالف الرئيسي في البلد يبقى مع “حزب الله” مع “تطويع” الحريري واستيعابه على مسار تثبيت الحكم وفتح الطريق أمامه إلى رئاسة الجمهورية.

وبعدما وصلت الأمور الى مرحلة لا يمكن وصفها إلا بالانحدار والتردّي، يتساءل السياسي عن حكم الرئيس عون، وما إذا كان بعد السنوات الثلاث تقريباً، وسطياً، وما إذا كان يشكل حكَماً بين اللبنانيين، ليؤكد أن ممارسات العهد اليوم يؤخذ عليها اصطفافها إلى جانب تيارها وحلفائه في قوى الممانعة، وهو ما يطرح تساؤلاً عن مصير اتفاق الطائف.

الأمور غير المستقرة في البلد، أحد اسبابها عدم حسم ملفات عالقة بين الطوائف والقوى السياسية. هناك من يتحدث عن قطب مخفية وسيناريوات للمرحلة المقبلة، إذ أن تعطُّل مجلس الوزراء في المرحلة الحساسة الراهنة التي يعيشها لبنان وفي وضعه الاقتصادي والمالي الخطير، سيترك انعكاسات سلبية على الحكم والعهد، ويؤدي إلى مزيد من الاصطفافات بين الطوائف، ما لم يحسم رئيس الجمهورية ويكرس موقعه الجامع لكل اللبنانيين في شكل يحفظ التوازنات التي يؤدي اختلالها الى تناسل المعارك واستمرار الحروب وانهيار البلد. فإذا كان عون يحكم بالطريقة التي يرى البعض انها تنحاز وتتصرف كطرف، يعني ذلك أن الفوضى ستستمر وقد تترك تداعيات خطيرة على البلد.

في المقابل، يتصرف باسيل، وفق السياسي المتابع، انطلاقاً من خطى الرئيس عون. يعلن مواقف تثير ردود فعل كما كان عون نفسه حالة خلافية في البلد سابقاً، إنما بوقائع مختلفة، حيث هناك تمركز قوى جديد، وممانعات سياسية وطائفية. يتقدم باسيل بخطاب مغاير، ويطرح عناوين خلافية، تظهر تساؤلات عند كل القوى، فيدرج خطابه ضمن محاولة تعزيز حيثيات موقعه والسعي إلى تكريس خاصية باسيلية في الساحة المسيحية، لكنها امتداد للمسار العوني نفسه.

يبقى أن طموح باسيل، باستثارته كل القوى السياسية المعارضة، لا يستطيع أن يشكل حالة مستقلة عن عون، لأنه ينطلق من ظروف مغايرة ومن معادلات مختلفة. وإذا كان البعض يطالب الرئيس عون بالضغط لضبط إيقاع “الباسيلية”، فإنه مطلب غير واقعي ولا يمكن أن ينفذ أو يستحيل إجراءات وقرارات، طالما أن الباسيلية تنطلق من الأساس العوني باعتباراته وإيقاعاته وسياساته. وكلام باسيل كان واضحاً في طرابلس ومستنسخاً من كلام عون.

يبقى السؤال: هل يتعطل البلد لأن القوة اليوم في يد طرف في الدولة مدعوم من طرف خارج الدولة؟ في النهاية البلد هو الخاسر!