//Put this in the section

صندوق النقد يدفن سندات الخزينة بفائدة 1% قبل ولادتها فهل يغامر مصرف لبنان ويدخل ”لعبة” مكلفة؟

سلوى بعلبكي – النهار

انضمّ صندوق النقد الدولي الى مؤسسات التصنيف الدولية بتحذير مصرف لبنان والمصارف من شراء سندات الخزينة المنخفضة الفائدة التي تنوي وزارة المال إصدارها بقيمة 11 ألف مليار ليرة وبفائدة 1%، ليتعزز بذلك صواب عدم إلزام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المشاركة في هذا الإصدار عبر تأكيده أكثر من مرة أن المصارف غير ملزمة شراء هذه السندات.




فبعد التقرير الذي أصدرته وكالة “موديز” عن عدم جدوى المشاركة في الإصدار، إذ إن هذا التوجه “غير كاف لتعديل مسار الدين بسبب ارتفاع أسعار الفائدة السوقية”، وبعد اعتبار “فيتش” أن الإصدار يعكس ضعف قدرة الدولة على خفض النفقات، جاء تقرير صندوق الدولة ليدفن الإصدار قبل أن يولد عبر تأكيده أن “شراء السندات المنخفضة الفائدة سيؤدي إلى تدهور ميزانية مصرف لبنان وتقويض صدقيته”.

هذا التحذير فسّره أكثر من مصدر اقتصادي أنه سقوط مدوّ للإصدار، خصوصا بعد تحذير “موديز” من أنه يمكن ان يفسر بأنه تخلف للبنان عن تسديد ديونه، فيما فسرت مصادر اقتصادية “متشائمة” أن التقرير يضع موازنة مصرف لبنان على المحكّ، وهو يقول بطريقة غير مباشرة “إن مصرف لبنان مفلس”.

اليوم يطلب في شكل واضح ألا يدخل مصرف لبنان في هذه اللعبة “لأن كلفتها مرتفعة، وستؤذي ميزانية مصرف لبنان”، فهل سقط الإصدار جدّيا؟

الخبير الاقتصادي لويس حبيقة نزع فتيل القنبلة التي أطلقها الصندوق عبر تأكيده لـ”النهار” أن التقرير لم يأت بجديد، وكل ما ذكره هو بمثابة عرض وصفي وتمنيات فقط، ولم يتضمن أي دروس للبنان يمكن أن يفيد منها لتحسين الأداء، خصوصا أن “مشكلتنا هي في الاوضاع السياسية والامنية والادارية التي تنعكس سلبا على الاقتصاد”.

وفي رأي حبيقة أن تحذير صندوق النقد مصرف لبنان من “أن شراء السندات الحكومية المقترحة ذات الفائدة المنخفضة سيؤدي إلى تدهور ميزانية المصرف المركزي وتقويض صدقيته”، لا يعني أن هذا التوجه سقط، “فالقرار الاخير يعود الى الدولة اللبنانية التي تملك الحرية الكاملة في عدم الأخذ برأي الصندوق، وتاليا ما تراه مناسبا ستقوم به”. ويقول: “عندما تصدر الحكومة سندات خزينة على مصرف لبنان أن يسوقها، ويمكن أن يجد الاخير نفسه مجبرا على المشاركة انطلاقا من دوره في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد”.

صحيح أن صندوق النقد يعارض مشاركة مصرف لبنان والمصارف في هذه السندات، انطلاقا من اقتناعه بضرورة ترك سوق السندات للعرض والطلب، “ليتيح للسوق تحديد العائدات على الدين الحكومي”، إلا أن حبيقة لا يرى مانعا من دخول مصرف لبنان هذا التحدي، على الرغم من اقتناعه بعدم تدخل السلطات النقدية في حاجات السلطة المالية.

والمعلوم أن الحكومة تستهدف تقليل تكاليف خدمة الدين بنحو تريليون ليرة لبنانية (660 مليون دولار) من خلال إصدار سندات خزانة منخفضة الفائدة بالتنسيق مع مصرف لبنان.

ويعتبر حبيقة أن السياسيين في لبنان يحملون مصرف لبنان أكثر من قدرته على الاحتمال، وتاليا ثمة خوف من عدم قدرته على الاستمرار في تلبية متطلبات الدولة… حاليا لا يزال وضع المركزي مقبولا (لا أقول سليما)”. ويضيف: “يريدون تحميله وزر المشكلة والحلول التي ليست من مسؤوليته، والتي يجب أن ترتكز على السياسة النقدية والرقابة المصرفية”، مبديا في الوقت عينه تخوفه من “سقوط مصرف لبنان اذا استمررنا في استنزافه. على الحاكم أن يتواضع أكثر بالامكانات التي لدى المصرف، ويقلب الطاولة على الجميع لعدم تحميله أكثر من قدراته”.

يؤكد تقرير صندوق النقد أن لدى الحكومة فرصة لتنفيذ إصلاحات أساسية لإعادة التوازن إلى الاقتصاد اللبناني، الذي يعاني وضعا صعبا، وخصوصا حيال العجز الكبير وحجم الدين العام والنمو المنخفض. لكنه في المقابل يرحب بالخطوات التي أقرتها السلطات حيال إصلاح قطاع الكهرباء وموازنة تخفف العجز المالي. وهذه الخطوات على طريق طويل نحو الاستدامة والنمو، ويجب أن تنطوي على مزيد من التعديلات المالية والإصلاحات الهيكلية لتحسين بيئة الأعمال في لبنان.

ويشدد على ضرورة العمل في المجالات الآتية لتقوية الاقتصاد اللبناني:

– خطة مالية متوسطة الأجل ذات صدقية تهدف إلى تحقيق فائض مالي أولي كبير ومستدام من شأنه أن يخفض بثبات نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي.

– إصلاحات هيكلية أساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءاً من تحسين الحوكمة وتنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات الرؤية الاقتصادية للبنان.

– تدابير لزيادة مرونة القطاع المالي من خلال تعزيز ميزانية مصرف لبنان والاستمرار وتقوية رأسمال المصارف.

أضاء التقرير على الكثير من النقاط التي نعرفها جميعا، وفق ما يقول حبيقة، إلا أن النقطة الاهم التي كان يجب التركيز عليها “هي هدر الوقت الذي يكلفنا الكثير حيال خسارة النمو… لا قيمة لدينا للوقت ولا لتكلفة هدر الوقت. فمشكلة لبنان هي في عدم معالجة الفساد والهدر… مع الاخذ في الاعتبار أن السياسيين لا يريدون السير بإجراءات إصلاحية يمكن أن تضع البلاد على سكة الخلاص”.

واللافت في تقرير الصندوق اقتراحه رفع الضريبة على القيمة المضافة ورفع الدعم عن الكهرباء، وهو وإن لم يفصح عن نسبة زيادة الـ TVA إلا أن حبيقة يؤكد أن صندوق النقد سبق أن اقترح رفعها الى 15%. وهذا الامر مرفوض في رأيه، “إذ لا يجوز إرهاق المواطنين الى هذا الحد، كما لا يجوز أن يدفعوا ثمن عدم قيام المسؤولين بمهماتهم”.

إصلاح الكهرباء… ولكن!

ركز التقرير على إصلاح قطاع الكهرباء، معتبرا أن الموازنة وخطة إصلاح قطاع الكهرباء التي أُقرت في نيسان الماضي، هي “الخطوات الأولى على طريق طويل” لإعادة التوازن إلى الاقتصاد. فخطة الكهرباء يمكنها أن تحقق مدخرات إضافية بنسبة 2% من إجمالي الناتج المحلي على المدى المتوسط. ولكن حبيقة يستغرب التركيز على هذه الخطة، خصوصا أننا حتى الآن لم نلمس أي تطور في القطاع، والتقنين لا يزال على حاله، إذا لم نقل إن وتيرته ارتفعت”، معتبرا أن لبنان “متخصص في خطط الكهرباء من دون أن تنفذ”.

وقال: “الصندوق حضّ على أن الإصلاحات في قطاع الكهرباء يجب أن تسير بسرعة، ولكن السؤال كيف، إذا كان المعنيون لم يستطيعوا تعيين مجلس الإدارة؟”، مبديا عدم حماسته لتعيين الهيئة الناظمة “لأن السياسيين سينتهزون الفرصة لتعيين أزلامهم برواتب مرتفعة تقدر بـ25 الف دولار من دون اي نتيجة، تماما كما حصل مع قطاع البترول”.