//Put this in the section

بكلام آخر – سمير عطاالله – النهار

لا جديد في “صورة لبنان” التي ترسمها دومينيك إدّه في “نيويورك ريفيو أوف بوكس”(1). العناصر نفسها. التناقضات إياها. الفارق بين الضاحية المحجّبة والأشرفية الحاسرة جداً، ليس سوى بضع مئات من الأمتار. الأزمات الحكومية أزمة قائمة في قلب أزمة آتية. ناس على “بحر الستات” كما كان يسمي فيلمون وهبه شواطئ الحسّان، ونساء في بحار “للنساء فقط” كما صار المقتضى.

تحاول دومينيك إدّه في مطالعتها الجميلة ألّا تنسى أيّاً من الألوان التي صُبغ بها هذا البلد. وتصل في النهاية إلى حقيقتين ثابتتين في هذا القوس الملوّن. الأولى أن لبنان يُفسَّر، ولكنّه لا يُفهم. والثانية أن أعجوبته طويلة الفتيل، لكن أحداً لا يعرف متى تنفجر. تكاد تقول إنه بلد مستحيل بقدر ما هو ضروري للجميع. كل مرحلة لجهة ما. ودائماً لجميع الجهات كما حدث في المرحلة المعروفة بـ”الحرب”، عندما رفع بشير الجميّل شعار 10452 كلم2 في مساحة تتقاسم فيها السلطة والسيادة، سوريا وإسرائيل، ويتنازع ما بقي، أميركا وروسيا وفرنسا وسائر الأمم. كل قوة تقريباً كانت تكره استمرار “الأعجوبة” اللبنانية لما تتسبّب به من انعكاسات عليها: أميركا، لأن الأبواب المفتوحة يدخل منها السوفيات. والسوفيات لأن الأبواب المفتوحة سياسة غربية وفكر رأسمالي. وسوريا كانت ترى في الباب المفتوح نافذة ضدّها. وإسرائيل رأت جميع الجبهات العربية أغلقت واستراحت فيما فُتحت جبهة لبنان على مداها.




تفاوتت المواقف العربية من لبنان. معمّر القذّافي تقدّم بطلب فائق البساطة من الإمام موسى الصدر: إبادة جميع الموارنة. الخليج أراد المحافظة على لبنان، خوف أن تمتدّ نيران ولهب الموجة اليسارية إلى أراضيه، بعدما أخفقت في ذلك من طريق عُمان واليمن الجنوبي. الفلسطينيون رأوا فيه ساعدهم العسكري وقوّتهم السياسية.

انقسم اللبنانيون خلف الجميع: مال القتل الهائج والمعلَن يقدّمه معمّر القذّافي، الذي لم يعد يضبط أحلامه أي شيء بعد وفاة عبد الناصر. وأموال المساعدات الاجتماعية والإعلامية، يقدّمها الفلسطينيون. وذهب السلطة والمناصب تجود به سوريا.

سوف تنضمّ إلى “لبنان الجديد” هذا، بعد قليل، الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي لها مفهوم خاص للإسلام وللجمهورية وللنظام العربي والعالمي برمّته. بالنسبة إلى هذا المفهوم الثوري، ليس لبنان سوى نظام يجب إسقاطه مثل سواه. من كان يريد بقاءه إذن في هذه الصورة الفسيفسائية؟ لا أحد. ليس العراق الذي أغرق القوى المسلّحة في “الشرقية” كي تقاتل عدوّها المشترك في دمشق. نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز، كان مكلّفاً تسليم الأموال باعتباره مسيحياً. كان الرجل راقياً وصادقاً وطيّباً، والأرقام التي تحدّث عنها كانت مخيفة.

سألت العاقل الكبير فؤاد بطرس أوائل 1975، ماذا يقرأ هذه الأيام، فقال إنه يقرأ ما يصدر من كتب عن النفط لأن العالم أجمع يدخل هذا العصر. وسألني هو من باب اللياقة، ماذا أقرأ، فقلت له إنني أقرأ في خوف شديد ما صدر من كتب عن إسبانيا عشية الحرب الأهلية: هزالها كدولة، وتفكّكها كأسرة، والفحش في الفوارق بين الطبقات، والتمزّق العقائدي في القوى المسلّحة… والصراع العالمي على مدريد!

بكل تواضعه وكِبره، وخصوصاً بكل عقله وثقافته السياسية، توقف رجل لبنان الكبير (أي لبنان وهو) وقال: “هل أزعجك بإعطائي عناوين تلك الكتب”؟ يصعب على الذين عاشوا الديبلوماسية اللبنانية في حكمة فؤاد بطرس ورفعة نفسه، أن يخضعوا مرحلته لعبث المقارنات. في لقائه الأخير مع الرئيس السوري بشار الأسد، صافحه مودّعاً ومضى، لكن الأسد استوقفه قائلاً: “لعلنا لا نتّفق، لكنني أحب أن أقول لك إنك اللبناني الوحيد الذي دخل هذا المكتب وخرج منه، من غير أن يتقدّم بطلب ما”.

كان فؤاد بطرس يحاول السعي إلى علاقة مع سوريا، تكون سليمة، ولو غير متساوية. مميّزة، ولكن من دون استعلاء. متينة، ولكن من دون خلل بنيوي. علاقة للبلدين وليس لبلد واحد، بحيث لا يصل حلفاؤها إلى يوم يقولون فيه إن كل ما فعلوه وقالوه، كان بالخوف والإكراه.

جلس فؤاد بطرس خلف مكتبه في قصر بسترس مثل ملك، لا مثل ديك. الحرب من حوله وهو في سلم لبنان. البيع والشراء والصفقات والوقاحات في كل مكان، وهو في مكانه، حلمه بلده، وطموحه لبنان، وعمله وطنه. كان يعرف أن لبنان أضعف وأصغر من أن يصمد في لعبة الأمم، وأن الله يرحم من عرف قدر نفسه، وأنه “لا يحب كل محتال فخور”. ذلك كان عصر الذين يحبون أوطانهم. ولم يكونوا أقلّية، ولا هم يُنسون. في مذكّراته عن ستين عاماً في الصحافة، يقدّم الزميل الكبير والروائي الريادي جورج شامي(2)، فصلاً مؤلماً ونبيلاً عن المرحلة الخاطفة التي أمضاها الدكتور أمين الحافظ رئيساً للوزراء. وفي اعتقادي أن الرئيس سليمان فرنجية قام بعملين رياديين في السياسة اللبنانية. الأول حكومة الشباب، حكومة العهد الأولى، التي ضمّت خيرة كفاءات لبنان، والثاني تكليفه النائب الشاب أمين الحافظ رئاسة الحكومة، من خارج نادي الرؤساء. لم يكن حظه يومها أفضل من حظ بلده. تضافر عليه النكران، وتكاثرت عليه الحمم، وقرّر في شجاعة وكِبر فائقين، أن يكون أكبر من كرسي في حلبة ثيران. يؤرّخ جورج شامي بموضوعية وإسهاب، تلك المرحلة وما سبقها وما لحقها. ويعطي بنزاهته وضميره، رؤية صادق لرجال تلك الحقبة. وكيف كان بيار الجميّل يعيش كالنسّاك، وهو يرأس أكبر حزب في تاريخ لبنان (250 ألف عضو مسجّل). ولم تكن “الكتائب” حزب الأغنياء، بل حزب العمّال والطبقة المتوسطة والعمل النقابي. ولم يكن على أيٍّ من لوائحها الانتخابية أغنياء حرب أو أثرياء بلا أي خصال، إلا حاصل ما قد حصل.

تعثر في مذكّرات جورج شامي على الكثيرين من أخيار البلد. لم يترك شيئاً لم يدوّنه. وعلى طريقته في التفاصيل، يرسم صورة لبنان التي ترسمها دومينيك إدّه بالعناوين والخلاصات. لكن الصورة بقلم دومينيك إدّه، الموجّهة إلى قرّائها في الغرب والآداب الفرنسية، تحتمل أكثر دراميات النص والسرد الأدبي. وهي تريدنا أن نكون منبهرين ببقائيات لبنان، مأخوذين بمتغيّراته، حيث يصبح السند الأول للرئيس الماروني، “حزب الله” الشيعي. أو حيث لا يعود مهمّاً موقع أو موقف المسيحيين منه. لكنها تريدنا أيضاً أن نبقى دائماً على حذر من أفلاك المتغيّرات. فأحوالنا يسهل شرحها ويستحيل فهمها. وأعجوبتنا طويلة الفتيل دائماً، أحياناً قصيرة النظر.

(1)Lebanon, A profile, by Dominique Edde, the New York Review of Book

(2) “رواية طويلة في سيرة عادية”، جورج شامي، نشر خاص.