//Put this in the section
راجح الخوري

المليارات لا تشتري سلاماً! – راجح الخوري – النهار

بعد توقيع إتفاق أوسلو في ١٣ أيلول من عام ١٩٩٣، استقبل ياسر عرفات نخبة من رجال الإقتصاد صوّرت له أن المسار السياسي الذي تم التفاهم عليه سيواكبه مسار إقتصادي مثير عندما تبدأ الأموال تتدفق على الفلسطينيين.

قبل التوصل الى الإتفاق الذي لم ينفّذ حتى الآن طبعاً، كان إسحق رابين قد علم من وزير مصري ان منظمة التحرير على وشك الإفلاس، ولعل هذا بالذات ما دفع عرفات إلى أن يتحدث في تونس بعد لقائه الوفد الإقتصادي، عن السلام الذي سيضع الفلسطينيين على سكة النمور الإقتصادية!




بعد ٢٦ عاماً على أوسلو وتحوّل المسار السياسي الى كوابيس وكوارث، ثمة الآن من ينفخ في أبواق المسار الإقتصادي كمدخل الى ما يسمى “صفقة القرن” التي لا يُعرف عنها الكثير، وقد تأجل إعلانها مرتين تباعاً آخرهما بعد عيد الفطر كما كان الرئيس دونالد ترامب قد وعد. وهكذا يعقد مؤتمر البحرين في غياب أكثر من نصف الدول العربية وبينها لبنان طبعاً، تحت عنوان يدعو الى الدهشة وهو “من السلام الى الإزدهار”، ولكن ليس من الواضح أين هو هذا السلام وما هي الأسس التي سيقوم عليها، ولا من الواضح طبعاً كيف يمكن المليارات الخمسين، التي تلّوح بها واشنطن وهي ليست من أموالها طبعاً بل من أموال الخليج، ان تجلب الفلسطينيين ومعهم عدداً من الدول العربية الى القبول بسلام مع إسرائيل، لمجرد ما ستطلقه ورشة المنامة من تعهدات لإستثمارات كبيرة في المناطق الفلسطينية، وهو فعلاً ما يدفع الرئيس محمود عباس ورفاقه الى تذكّر كلام عرفات عن وهم “النمور الاقتصادية”، الذي انتهى بقتله مسموماً، بعدما تم تدمير كل حرف من اتفاق أوسلو!

الوضع الإقتصادي للسلطة الفلسطينية هو تماماً على وشك الإفلاس كما كان الوضع عشية أوسلو، وربما قام الرهان على ان التلويح بالمليارات يمكن ان يغري أو يمهد لقبول ما ستطرحه غداً “صفقة القرن”، التي كانت كل مقدماتها توحي بتصفية القضية الفلسطينية، وتذويب الهوية الفلسطينية، وإسقاط دولة فلسطين من التاريخ والجغرافيا. لن أستبق ما ستقرره ورشة المنامة، ولن أتوقف عند محاولات الإغراء المضحكة طبعاً، حول تخصيص 50 ملياراً من الدولارات ستنفق لإسقاط المطالبة بقيام الدولة الفلسطينية، ولشراء قبول توطين الفلسطينيين حيث هم، وتحديداً في لبنان والأردن وسوريا. ولكن يكفي ان ننظر في أمرين لنعرف كيف ستكون تلك الصفقة، أولاً أن نتذكر ان ترامب إعترف في 6/12/2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارته اليها، ووافق بنيامين نتنياهو على نظرية يهودية الدولة الإسرائيلية، ما سيمهد مستقبلاً لتبخّر فلسطينيي 1948، ثم اعترف في 26/3/2019 بسيادة اسرائيل على الجولان، وثانياً أن نعرف كيداً ان الذين كتبوا فصول “صفقة القرن” هم أربعة يهود يتبنون طبعاً خطط محو القضية الفلسطينية كلياً وهم: جاريد كوشنر صهر ترامب وصديق نتنياهو المقرّب، وجايسون غرينبلات مبعوث ترامب لهذه المهمة، وهو يهودي متحمس، والسفير الأميركي في اسرائيل ديفيد فريدمان، الذي قال لصحيفة “نيويورك تايمس” قبل أسبوعين إن إسرائيل تملك الحق في ضمّ جزء من الضفة الغربية، وطبعاً نتنياهو. لا سلام أوسلو افضى الى دولة فلسطينية من النمور الإقتصادية، ولا المسار الإقتصادي وحديث المليارات الخمسين سيفضي الى حل سياسي، فالصفقة لا تحمل حلاً لفلسطين بل شطباً من الخريطة… مفهوم؟