//Put this in the section
غسان الحجار - النهار

رئيس بلدية الحدت حافِظ التعايش – غسان حجار – النهار

كلٌّ أدلى بدلوه. الذي يعرف والذي لا يعرف. العلماني والأصولي. البعيد عن الحدت وعن كل مناطق العيش المشترك، خصوصاً أبناء القرى ذات اللون الواحد. اعترض البعض، أيّد البعض الآخر، ومعظمهم لا يبني رأيه على حجّة واقعيّة. فالفارق ما بين الدستور والقوانين، والواقع المُعاش، كبير جدّاً، بل ثمّة هوّة واسعة. كثيرون من الذين أفرغوا آراءهم، لم يطّلعوا على التاريخ الحديث، ولم يدرسوا الأرقام، ولم يجروا المقارنات الواقعيّة. كثيرون لا يملكون الإجابات عن حالات مُشابهة صارت مثار تساؤلات كبيرة. مع مَن يعيش أهالي حارة حريك حاليّاً؟ وهل ثمّة من يرتاد كنيسة مار يوسف إلّا في عيد شفيعها عندما يُقام قدّاس استعراضي يحضره نوّاب “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” ثم يقفل المسيحيّون منهم عائدين إلى منازلهم البعيدة من مسقطهم؟ ومع مَن يعيش أهالي المريجة، إلّا بضع عائلات عائدة تشعر بالغربة في بلدتها؟ وأهالي الليلكي؟ وغيرهم.

صحيح أن عدم بيع الارض والشقق من مسلمين في منطقة مسيحيّة أمر مخالف للدستور، لكنّه واقع في أكثر من منطقة وإن من دون إعلام. في المواقع القريبة من مراكز “حزب الله” يتمّ التحقّق من هويّة الشاري، ويُمنع صاحب الملك من إتمام عمليّة البيع إذا كان مشكوكاً بالشاري والذريعة أمنيّة. لكن لا هذا يُعلن الأمر ولا ذاك.




في الأرقام أنّه تمّ بيع نحو 50 في المئة من عقارات الحدت ما بين انتهاء الحرب العام 1991 والعام 2000، ما يعني أنّ البلدة بدأت تتبدّل. وصار أهلها يتهافتون على بيع ما يملكون تحت خط صيدا القديم، أي على حدود الضاحية الجنوبيّة. ومَن تمسّك بأرضه شعر بالغربة بعد حين. صار النزوح أمراً واقعاً. لا لأن الجيران مُسلمين شيعة، بل لأن نوعية الحياة تتبدّل، ولأن أبناء العشائر استباحوا الأمكنة. والأمن تراجع، وبعض الحريّات تراجعت.

ثمّ جاءت البيوع المشبوهة. تاج الدين المعروف اشترى تلّة مار مطانيوس، وآخرون اشتروا تلّة الوروار، كل واحدة بخمسين مليون دولار تقريباً، وتقدّم المشترون بطلب تراخيص لبناء 1200 شقة في الموقع الثاني فقط. ما يعني أيضاً تغيير هويّة البلدة بمخطّط مشبوه، لأن أسماء الشارين ترتبط بملفّات كثيرة وبشراء عقارات واستحداث قرى في منطقة جزين والجنوب والشوف لغايات سياسيّة.

خطوط التماس تبدّلت واقتربت من وسط البلدة، وصارت التجاوزات تزداد بل تتضاعف، وتكثّف العمل على حل المشكلات عبر لجان تنسيق وارتباط في غياب فاعليّة القوّة الشرعيّة كالعادة.

ومع تبدّل خطوط التماس، بدأ المسيحيّون يتراجعون، ويُخطِّطون لبناء مساكنهم في الأحياء الأكثر عمقاً، والأكثر بُعداً عن التماس المباشر مع العشائر والأحزاب المستقوية، وهكذا بدأت البلدة تتقلّص. لذا قرّر رئيس بلدية الحدت جورج عون القيام بعمل “بطولي” عبر منع البيع من غير المسيحيّين حفاظاً على ما تبقّى من حجر وبشر. قرار عون يحفظ الحدت، ويحفظ أهلها، ويجعلهم من موقعهم يتحاورون مع الآخر، ويعيشون معه، ويعملون معه، بدون قلق على المصير، وخوف على المستقبل.

هكذا حفظ مبدأ التعايش، إذ حين يرحل أبناء بلدته إلى أمكنة أخرى فمع مَن سيتعايش الوافدون إليها؟ قد يكون قرار رئيس البلدية بغيضاً طائفيّاً، لكنّه جريء وطنيّاً.

وللحديث تتمة.