//Put this in the section
وسام سعادة

ليس بالمكابرة تسوّى المشكلة بين الطوائف – وسام سعادة – القدس العربي

العلاقات بين الجماعات الأهلية التي يتشكّل منها نسيج المجتمع اللبناني ليست على ما يُرام. هذا عشية الذكرى الثلاثين لإتفاق الطائف، المقرّ في 22 تشرين الثاني 1989، وعلى مسافة عام ونيّف من الذكرى المئوية لتأسيس الكيان، «دولة لبنان الكبير». مناسبتان لإعادة التفكير في مآلات الرابطة بين المسلمين والمسيحيين بالنسبة لهذا البلد، وفي العلاقة بين مختلف الطوائف، وفي مسارات الفكرة الوطنية الكيانية، وما يتأتى من كل ذلك من إعادة طرح الأسئلة حول سمات النظام السياسي، والهوة الحاصلة والمتمادية، بين النظام السياسي «كما هو ممارس بالفعل» وبين النظام السياسي في حالته «النظرية» كما هو ماثل في الدستور، هذا إن كان ثمة بالفعل من نظام سياسي يمكن استقراؤه من نصوص الدستور وحده، وبالأخص بالنسبة إلى دستور ظهر بالممارسة قبل الطائف عدم القابلية العملية لتطبيقه، وظهر أكثر بعد الطائف حجم البياضات التي فيه، أي ما يسكت النص عنه، وما يتعاطى معه بالإلتباس وإبهام وتأجيل.

ولئن جرى، بخاصة في العقدين الآخرين، من تسليط ضوء على التناقض المذهبي السنّي الشيعي وتجلياته في لبنان، فإنّ التناقض الإسلامي ـ المسيحي هو الذي كثيراً ما يجري العمل على توريته أو التقليل من أهميته بحجة أنّ الأمور أكثر تعقيداً وتركيباً، والحق أن مثل هذا التحجج هو بحدّ ذاته في منتهى التبسيط. التناقض الإسلامي ـ المسيحي كي يأخذ شكل استقطاب مسيحي ـ سنّي حيناً، ومسيحي ـ شيعي حيناً آخر، وقلّما يتجسّد في كليّته، أي في اجتماع كلا المذهبين الإسلاميين، لكنه مع هذا تناقض أساسي جداً بالنسبة إلى التركيبة اللبنانية. كلما عبّر المسيحيون اللبنانيون عن هواجس ديموغرافية على وجه التحديد سيجري استنفار أحد وجهي هذا التناقض، «السنّي» هنا و«الشيعي» هناك.




وتأتي الطاقة الإستفزازية اللامحدودة لـ«وزير العهد» جبران باسيل، وقدرتها على إثارة شتى عناوين التناقض المسيحي ـ الإسلامي، بالشقين، «السنّي» و«الشيعي» والأنماط الانفعالية في المقابل في الرد على باسيل، لضرب كل أفق لنقاش سياسي جدي في البلد، على عتبة ثلاثينية الطائف ومئوية الكيان، وبالتحديد حيال الأزمة المستمرة بين «لبنان المسيحي» بكافة تناقضاته الداخلية وبين «لبنان المسلم» بانقساماته، واستقطابيته، وانخراطه في الاقليم.

بيدَ أنّ التفكيك السياسي للخطاب العوني ـ الباسيلي شيء، والإنصراف إلى «رُهاب الباسيلية» شيء آخر تماماً. في عملية التفكيك يكون المسعى أولاً لعزل المعطيات والمشكلات والعناصر والهواجس الفعلية التي ينطلق منها هذا الخطاب وبين المبالغة والغلو والفوقية والعنجهية والاستفزازية. أما في الرهاب فيجري اختزال كل ما في هذا الخطاب لتهويم وتحريض. لا، هناك معطيات وحيثيات يجري منها الإنطلاق. هناك بالفعل هواجس تتعلق بالديموغرافيا، وأخرى تتعلق باضطراب العلاقة بين المجموعات الدينية المختلفة في البلد. رمي هذه المعطيات بحجة أنّ باسيل يستثمر فيها إن هو إلا أقصر الطرق لجعل خطاب باسيل يتقدّم ويستأثر أكثر فأكثر بالكتلة الأكبر بين المسيحيين، بعد أن كانت نتائج الإنتخابات النيابية العام الماضي تفيد بالعكس عن انتكاسة نسبية له بينهم.

والأمر يتصل في الموازاة بكيفية تفاعل الحزبيات الإسلامية مع المسيحيين. وهنا يظهر فارق بين «حزب الله» و«تيار المستقبل»، حيث أن «حزب الله» يقرّ ضمناً بأن العقد الاجتماعي بين اللبنانيين بعد الحرب مضعضع ان لم يكن مفقوداً، لكنه يطرح بدائل في صيغ «التفاهمات» الثنائية بين أطراف غير متكافئة، بفعل اللاتوازن الديموغرافي أو اللاتوازن السلاحي أو هذا وذاك، كتفاهم مار مخايل، نموذجاً. أما «المستقبل» فيكابر على عمق واستمرار الأزمة الهوياتية والمجتمعية بين الطوائف، وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين، ويظن أنّ هذا العقد موجود في اتفاق الطائف «فيما لو طبّق»، أو في «طمأنات» من نوع «أوقفنا العدّ»، وهي طمأنات يحتاج من يطلقها إلى من يطمئنه.

وجاءت مؤخراً الاستفاقة على قضية رفض تأجير بلدية مسيحية متاخمة للضاحية الجنوبية الشقق ناهيك عن بيعها للشيعة، رغم كونها بلدية معقودة اللواء للحالة العونية المتفاهمة مع «حزب الله»، بل باسم هذا التفاهم نفسه، في واحدة من حالات الخطاب «اللاذمّي ـ المفرط في الذمّية» في الوقت ذاته: الحد من تمدّد الضاحية الجنوبية الشيعية الى الضاحية الشرقية المسيحية، إنما بـ«التفاهم» مع «حزب الله».

المفارقة كانت تدخل وزيرة الداخلية الموالية لرئيس الحكومة و«المستقبل». لم تدرك أن مشكلتها مع أهالي البلدة وليس فقط مع مجلس بلدية.

وسارعت الى تذكير رئيس البلدية المنتخب بالتسلسلية المركزية الذي يخضع بموجبها لمحافظ والمحافظ لها كوزيرة. لكن هذا التذكير جاء يلخص المشكلة الأساسية: فالقائمقام والمحافظ لا ينتخبان. أما رئيس البلدية فينتخب. هي كما في كل مرة، مشكلة دولة تريد أن تبقى مركزية وطائفية في آن. كانت النتيجة أن رئيس الدولة المركزية، رئيس الجمهورية، تدخل، مفهماً وزيرة داخليته، من خلال إبرازه التضامن مع رئيس البلدية. هذه الدولة المكابرة دائماً على إلحاحية المركزية الموسعة، هي مكابرة بعمق على تصدّع والتهاب العلاقات بين الطوائف بشكل أكثر فداحة من سنين ماضية.

دولة لا تترك مجالاً للامركزية إلا حيث هي مطالبة بالمركزة: أي تشرّع فقط لامركزية الأجهزة الأمنية المتوازية التي عندها تقريبا نفس التوصيف الوظيفي، والتي تنسق مع بعضها تارة، وتارة تفعل العكس، وهي لامركزية «الخطوط الحمر» الذي يفرضها كل واحد كما يحلو لها، ثم يعود فيتشكى منها حين لا تجيء في صالحه.