حزب الله مربك لبنانياً بقرار المواجهة… هل تشتعل في ساحات النفوذ الإيراني؟

ابراهيم حيدر – النهار

لا أحد يستطيع التوقّع إلى أين تتجه المواجهة الأميركية – الإيرانية، لكنها تبدو مستمرة إلى حين إحداث تغييرات على الأرض، إنْ بصدام عسكري قد يشعل المنطقة، أو بخضوع إيراني للشروط الأميركية، بعدما خنقت العقوبات إيران وجعلت متنفسها الوحيد، أي تصدير النفط، يتراجع الى مستويات لم تعد الجمهورية الإسلامية قادرة على تحمّلها اقتصادياً. ويبدو وفق سياسي خبير في شؤون المنطقة، أن المواجهة مرشحة لأن تكون طويلة، فلا الإيرانيون سيتخلّون عن سلاحهم وأوراقهم بسهولة، وهم رفعوا السقف بضرباتهم الأخيرة التي وجّهوها إلى الأميركيين في منطقة الخليج وآخرها إسقاط طائرة “الدرون”، ولا الرئيس الاميركي دونالد ترامب مستعجل بعدما اقتنع بأن استراتيجيته القائمة على العقوبات والخنق بدأت تؤتي ثمارها من دون مواجهة عسكرية.




هذا في منطقة الخليج، فكيف في المناطق التي تعتبرها إيران ساحات نفوذ وأوراق لها؟ هل تحرّكها لتوسيع دائرة المواجهة مع الاميركيين؟ في لبنان تبدو الأمور هادئة، ولا مؤشرات تدل على ان “حزب الله” قد يصعّد ويقرر الحرب ما دامت ساحات نفوذ أخرى تتولى هذه المهمة، خصوصاً في العراق واليمن، في حين أن لسوريا ولبنان وضعاً مختلفاً، وإن كان “حزب الله” عند تدخّله في سوريا التزم قراراً إيرانياً نصرةً للنظام السوري، وهو مستعد لتنفيذ أي قرار إيراني آخر اذا استدعت التطورات فتح هذه الجبهة المستقرة اليوم.

يشير السياسي الخبير إلى ان الحصار الاقتصادي الأميركي والخنق والعقوبات على إيران جعلت المنطقة كلها على أبواب الحرب، وإذا كان ترامب لا يريد مواجهة عسكرية حتى الآن، إلا أن إجراءاته جعلت إيران في وضع لا تحسد عليه اقتصادياً ومالياً، خصوصاً أن واشنطن استطاعت تطويقها في أسواق النفط الدولية من دون أن ترتفع الاسعار، وذلك على رغم التوتر في الخليج واستهداف الناقلات، ما يعني أن قدرة إيران المالية تراجعت كثيراً مع العقوبات ما انعكس في شكل مباشر على نفوذها في المنطقة، وعلى القوى المرتبطة بها، بما فيها “حزب الله” الذي يعاني أزمة كبرى، وإن كانت لا تظهر في شكل كبير على أدائه وهيمنته في لبنان.

الاختناق الاقتصادي جعل إيران ترفع سقف مواجهتها، وفق السياسي الخبير، ورفضها الشروط الأميركية، وهي تعتبر أن وقف استخدام أوراقها في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، يؤدي إلى الاستسلام، ليتبين أن أحد عناصر قوتها هي أوراقها وساحات نفوذها، وذلك على رغم قدراتها، إذ لديها اسلحة وقوات يمكنها تفجير منطقة الخليج، إضافة الى الصواريخ الباليستية، وهي تعرف أن الحرب ستؤدي الى الفوضى وإنْ خسرتها.

تقف المنطقة على فوهة بركان، فيما يترقب اللبنانيون ما إذا كان التصعيد سينعكس مواجهة في الجنوب اللبناني، أو في ساحات أخرى مرتبطة بوجود “حزب الله”. وبينما ترتفع حرارة الاشتباك في منطقة الخليج، يختار الحزب الصمت في هذا الملف، منذ تصريح السيد حسن نصرالله قبل أسابيع انه “في حال تم الاعتداء على ايران، فإن الجبهات كلّها ستشتعل” دفاعاً عنها. أما الصمت فله دلالاته وفق الخبير السياسي، إذ إن التركيز الأميركي المباشر على الحزب تراجع خلال الفترة الماضية، منذ ان بدأ الحديث عن ترسيم الحدود البحرية وجولات ديفيد ساترفيلد، ما يدل على أن الأميركيين لا يريدون أن تتفجر المعركة في لبنان لأسباب تتعلق باستراتيجية مواجهتهم مع الجمهورية الاسلامية، ومصالحهم في المنطقة، علماً أن كلاماً نُقل عن أوساط ديبلوماسية مفاده أن الولايات المتحدة منعت إسرائيل من التدخل في الملف الإيراني، أقله في المرحلة الراهنة.

الأمور لا تقف عند اعتبارات لبنانية بحتة حين اشتعال المواجهة، إذ إن كل الاحتمالات واردة في هذا الشأن، وفق السياسي، الذي ينقل عن أوساط متابعة أن “حزب الله” مربك اليوم في قراراته وليس في خياراته التي يلتزمها القرار الإيراني. فبينما تتواصل الاتصالات مع لبنان من مسؤولين دوليين تدعوه الى الحياد وعدم الإنزلاق في أي مواجهة وإقناع “حزب الله” بأن مساندة إيران عسكرياً قد تنعكس على لبنان سلباً، بسبب وضعه الدقيق والحساس، إلا أن الحزب حاسم عند حصول المعركة من حيث التحرك على أكثر من جبهة، وهو لا يستطيع أن يبعد جسمه وبنيته عنها فهي تعنيه مباشرة، خصوصاً ان العقوبات والاجراءات الأميركية طاولته مباشرة ايضاً.

يعرف “حزب الله”، وفق السياسي الخبير، أن أي معركة قد يخوضها ستغيّر الوضع الذي يستقر عليه الجنوب اللبناني، ليس في ما يتعلق بالقرار 1701، انما في حالة الهدنة القائمة وخط التماس الذي تضمنه القوات الدولية. ولهذا الموضوع حساسية لدى جمهوره اليوم والجمهور الشيعي عموماً، إذ إن الإرباك لدى الحزب يتعلق بالجمهور الذي لا يُجمع على خوض معركة مساندة إيران بفتح الجبهة الجنوبية، ذلك أن الوضع لا يحتمل والمصالح باتت مهددة ولا يمكن التفريط بما تم انجازه. وينقل السياسي عن الأوساط المتابعة ان نقاشاً جرى داخل “حزب الله” حول مناطق المواجهة المحتملة في حالة الانفجار، علماً أن هناك إجماعاً على عدم التحرك ما لم تحصل الحرب، إذ ان الوضع اللبناني على تماس مع الاحتلال الإسرائيلي ولا يشبه اليمن اليوم. وفي الاحتمالات نوقش سيناريو الرد من سوريا لكنه استُبعد لاعتبار أن النظام لا يسمح بتحريك جبهته، بعد تسلّم منطقة القنيطرة، ولاعتبارات أخرى لها علاقة بالروس في سوريا وقدرتهم على منع اي تغيير في هذا الاتجاه. بقيت الساحة اللبنانية التي بات الحزب غير قادر على اعتبارها ساحته الكاملة على رغم فائض قوته، لكنه لا يستطيع جرّها مباشرة الى حرب، ولا يستطيع ايضاً أن يبرر اي تحرك مثلما فعل خلال تدخّله في سوريا.

الاحتمالات كلها واردة، لكن “حزب الله” اليوم غير قادر على التحرك المريح كما كان في السابق، ولا يستطيع اتخاذ قرار الحرب، من دون أن يعني ذلك انه يقدم الوطنية اللبنانية على خيارات الخارج، انما عند اشتعال المنطقة يصبح كل شيء مباحاً بالقرار الإيراني. أما جهوزيته العسكرية فهي قائمة ومتحفزة، لكن ذلك لا يعني أن حرباً قد تنشب غداً…