//Put this in the section

أساطير مسيطرة! – حسين شبكشي – الشرق الاوسط

الشرق الأوسط منطقة «مغيبة». لعل هذا هو الوصف الأدق لحال المنطقة العام. فهي منطقة تقاد سياسيا عن طريق الآثار الجانبية لمجموعة «أساطير» نمت عبر التاريخ. فإسرائيل تأسست في فلسطين بناءً على «أسطورة» الوعد الإلهي لبني إسرائيل، والتي يعتبرونها أرض الميعاد المقدس، فبالتالي لا يمكن الجدل ولا الفصل في الوعد الإلهي، وأيد ذلك الأمر المعسكر المسيحي في دول الغرب، لأن فيه فريقاً متشدداً لديه «أسطورة» أخرى تقول إن المسيح المخلص لن يأتي إلى الأرض مجدداً لإنقاذ العالم من الشر إلا بعد قيام دولة إسرائيل بعاصمتها القدس على أرض فلسطين. وكان هذا المبدأ أساسيا في الدفاع عن حق إسرائيل في الوجود بالنسبة لفصيل عريض من المسيحيين الجدد، وخاصة الإنجيليين منهم.

ومع نظام ولاية الفقيه في إيران تبنى نظرية تصدير الثورة الطائفية في المنطقة على فكرة «تعجيل» ظهور المهدي المنتظر، وتحفيزه على الخروج من مخبئه لينشر في الأرض العدل والسلام ويقضي على الظلم والطغيان، وهي أيضاً أسطورة أخرى سخرت لها السياسات على أرض الواقع لأجل تحقيقها.




هاتان «الأسطورتان» وغيرهما، فيها العديد من الملامح العاطفية والرومانسية والمثالية، وتدغدغ مشاعر من يتبعها وتتيح لمن يتبناها سياسيا المجال لتجاوز القوانين والنظم الدولية التي من المفروض أن تحكم العلاقات وتنظمها بين الشعوب والدول.
إدخال «الأساطير» إلى ركائز في صناعة القرار السياسي، وتحويل رجال الدين إلى تجار أراض يتحكمون في حدود الدول بحسب اعتقادهم ما منحهم الدين لهم باسم الرب، هو جناية عظيمة وجرم كبير حولت المنطقة إلى شلالات لا تتوقف من الدماء التي تسيل والمقابر تزداد اتساعاً مع مرور الوقت لاستيعاب ضحايا المآسي التي لا تتوقف.

الدول المدنية هي التي تأخذ بحكم العدل المبني على الأنظمة والقوانين، بعيداً تماماً عن تأثير وأثر «الأساطير» التي لا يمكن الاعتماد عليها كمرجعية موضوعية ومستقلة بين الأطراف المتنازعة. الدول الأوروبية عندما تخلت عن اعتماد «الأساطير» كمرجعية سياسية واعتمدت اللغة المدنية مرجعية سياسية وقانونية توقفت حالات الحرب بينها، وهذه لعمري دروس من الممكن جداً أن تستفيد منها منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

حجم «الأساطير» بمختلف أشكالها ومصادرها متوغل بعمق وبقوة في الذهنية العاملة والعقلية الجمعية المؤثرة على صناعة القرار السياسي عموماً، حتى أصبحت من مكوناته الرئيسية، ولا يمكن الخروج من تلك الدائرة الشرسة إلا بما يشبه عملية الفصل بين توأمين سياميين مرتبطين بعضهما ببعض من جهة الرأس.

فصل الدين عن الدولة مطلب سياسي في الغرب، ويبدو أننا في الشرق مطلوب منا فصل الدين عن الأسطورة لإبعاد شبهات الاستغلال بحقها، والتي ألحقت بالمنطقة كماً غير بسيط من المشاكل وسيستمر الحال على ما هو عليه كما يبدو.