//Put this in the section

شيء مثل الياس سركيس – سمير عطا الله – النهار

في مثل هذه الأيام من 1985، غاب الياس سركيس عن ستين عاماً، امضاها في حفظ كرامته، ومال الدولة، وكرامة لبنان. بلغت الحروب في عهده ذروتها، وبقي تعقله وشهامته وحفظ اليمين في ذرواتها. ترنح لبنان في الاحتلال والتقاتل والانحلال الوطني والخيانات، وبقي القصر الجمهوري محاطاً بخلق سيده.

وقف دب يدعى أرييل شارون الى جانب دبابته على بعد أمتار من قصر بعبدا. فهدد حارس الجمهورية الاميركيين، بأنه إذا دخل الاسرائيليون حديقة القصر، فسوف ينتحر. بذلك كان الياس سركيس أقوى وأشجع رئيس في تاريخ لبنان، منذ أن انتقل كميل شمعون من وراء مكتبه في قصر القنطاري إلى وراء أكياس الرمل، ليقاتل بنفسه حتى لحظة الخروج.




في الصورة التاريخية، بقي الياس سركيس هو الأقوى. رجل، لا جيش خلفه مثل فؤاد شهاب، لا شعبية كبرى مثل شمعون، لا كتلة دستورية عربية مثل بشارة الخوري، لا عزوة وطنية مثل سليمان فرنجية. وبلا ابناء. وبلا أصهار. وبلا مال. وبلا أحزاب.

ورث الشهابية متأخراً. وسبقته الى الرئاسة حرب 1975، ووفاة فؤاد شهاب، والمصادقة على “اتفاق القاهرة” في مجلس النواب. وكان ياسر عرفات يستقبل ضيوفه الرسميين بالعزف العسكري في مطار بيروت. والجمهورية مشلعة الأبواب والنوافذ. وفرقة معمر القذافي في الجيش تتلقى أوامرها من الرائد عبد السلام جلود، المقيم في دمشق يدير معركة لبنان، حسب مذكراته. أما وفقاً للراحل العزيز سامي الخطيب، فإن عبد السلام جلود كان يدير الحركة الجوية للنساء المستوردات، وحركة المشروبات الاسكوتلندية، ولا يطيق كأسه فارغة. أو مليئة.

في هذا الجنون العالمي المحيط بلبنان، أقسم الياس سركيس اليمين الدستورية، في الحفاظ على “الكتاب” الذي أوصاه به فؤاد شهاب. تعرّف شهاب الى هذا الموظف الحقوقي البسيط، يوم رفض أن يوقع معاملة غير قانونية للجيش. كان رد قائد الجيش: آتوني به.

بالنسبة إليه، كان الموظف الذي لا يرتشي ولا يخاف، ركناً مثالياً للدولة التي يحلم بها. شاب عصامي من الطبقة الوسطى، مجتهد ومتواضع، وخالٍ من الآفات اللبنانية الشائعة، كالتزلم والنفاق والتبدل والخلط بين الأرض كوطن، والأرض كعقار.

كان شهاب الورع، الذي أقام مصلى في بيته، على قناعة بأن مسيحيين من طراز الياس سركيس وفؤاد بطرس، قادرون على انقاذ مسيحيي لبنان من العناتر والمهووسين والمصابين بالتوتر والضحالة الفكرية. وكان يبحث عن هؤلاء في كل مكان.

لم يتلفظ الياس سركيس بكلمة طائفية. ولم يوظف محسوباً في مكان. ولم يتعاطَ مسألة عائدة الى الدولة، براً أو بحراً أو جواً أو تحت البحر وتحت الأرض. القاعدة الوحيدة للتوظيف كانت شروط مجلس الخدمة المدنية، من دون التنازل عن حصة المسيحيين، الذين كان ابطالهم يشككون في مسيحيته، تماماً كما اتهموا فؤاد شهاب من قبل، بأنه لم يتخلَّ في داخله عن سنيته.

كقائد للجيش، ثم رئيساً للجمهورية، ثم رئيس ظل في عهد شارل حلو وشعار “غبرة رضاك”، كان شهاب يتلقى كل يوم تقارير الاوضاع. وكان يُطلع عليها مدير غرفة الرئاسة وأمين سره وأسرار البلاد. بعد ميوعات شارل حلو، لا بد من صلابة الرجل الذي قال لا، لفؤاد شهاب. روى الرئيس الياس الهراوي أنه عندما تولى سركيس الرئاسة، كان في صندوق النفقات السرية ثلاثة ملايين دولار. وعندما ترك القصر في اليوم الأخير من عهده، كان في الصندوق ثلاثة ملايين دولار. لم يمس.

ويروي الوزير ميشال اده أن اقصى مباذل الياس سركيس كانت لعبة ورق، أو فيديو جديد عن فيلم تاريخي، يدعو اصدقاءه لمشاهدته معه. ما ان يبدأ العرض حتى يغط في النوم. فلماذا دعا أصدقاءه إذن؟ لأنه كان وحيداً. وفي وحدته أدار أخطر مراحل الجمهورية، وحماها من الذوبان الأخير، وحال دون سقوط آخر خطوط التوحش بين الجبهات المتقاتلة.

كان يخاف على لبنان من الجميع، وعلى المسيحيين من المسيحيين. والتقارير التي استمرت تصل إليه كل يوم، كان يفزعه فيها عدد الخيانات وحجمها ومدى رخصها وتوحشها. بعد نهاية عهده سافر الى باريس، فجئت من لندن للسلام عليه. كالعادة، كان وحيداً، إلا من رقيه وطيبته وتواضعه. وبعد قليل رن الهاتف وقام إليه، وعاد بعد قليل: “كنت اتحدث الى طبيب في نيويورك من اختصاصيي الاعصاب. لا أدري ماذا حل بي”. الجميع كانوا يدرون ماذا حل به: ست سنوات من اللبنانيين.

قلت له، من باب فتح الحديث، أليس من الضروري أن تكتب مذكراتك عن هذه المرحلة؟ فقال وكأنه يكمل حديثاً سابقاً: يا فلان، إذا وضعت مذكراتي، نص الشعب اللبناني بيروح قتل!

لم تنته الحرب في عهده، لكن أيضاً لم ينته لبنان. ولم تسقط الجمهورية. وظل قصر بعبدا قائماً وسط بحر من التفكك والخراب. وهلهلت الدولة لكن لم تنقسم. وظلت العلاقة الدولتية بين القصر الجمهوري والسرايا الحكومية مصونة. ومنع ان تقوم في عهده، أو على اسمه، حكومة من لون واحد.

ذكّرنا كلام البطريرك الراعي الاسبوع الماضي، بألا تحصر التعيينات الادارية بحزب السلطة، بالسنوات التي أمضاها الياس سركيس موظفاً في رئاسة الجمهورية، ثم حاكماً للمصرف المركزي، ثم رئيساً للدولة. لا مديراً للقصر ولا حاكما للمصرف المركزي ولا مرشحاً خاسراً للرئاسة ولا رئيساً. تصرف الياس سركيس وكأنه يملك قوة، أو جاهاً، أو صلاحية في التعيين أو الاختيار. مجرد رئيس في خدمة الجمهورية. وبهذه الصفة، ما تنازل لأحد عن شيء منها. هي التي تملكه، وهو لا يملك شيئاً.

كلما احتدمت معارك الرئاسة وطرحت “حقوق المسيحيين”، نشعر بالخوف. فالعبث بتجارتها هذه المرة أكثر خطورة. والتهديد للبنان في وجوده وكينونته وبراءة استمراره، لا يحتمل خفة الشعارات. العري لا يغطي شيئاً.

للذين يصرون على معركة الرئاسة فيما الجنرال عون لم يكمل نصف ولايته بعد، نريد رئيساً عادياً في حجم لبنان. رئيس بلا اعداء، لا يطارد الاشباح ولا تطارده، وليست له قوة النسور في التحليق فوق العالم. رجل بسيط الحال، وسطي الخطاب، لا كبير فيه إلا تواضعه ونزاهته وبعده عن أي شك أو شبهة. شيء مثل الياس سركيس، مهما بعدت المسافة بين لبنانه ولبناننا. بين دولته الجريحة ودولتنا المريضة.