//Put this in the section

هل هناك فعلاً بوادر أزمة ”فلتان أمني” أم أنّ البعض يضخّم الأمور ويستثمر فيها سياسياً؟

ابراهيم بيرم – النهار

هل تلوح في الأفق بوادر “ازمة توتر امني على نطاق واسع” تفوق المعتاد وتضع البلاد امام فرضية انفلات مستشرٍ؟ السؤال طُرح بالحاح خلال الساعات الـ36 الماضية بعدما بادر البعض الى اجراء عملية ربط بين سلسلة أحداث امنية لافتة ومتنقلة سُجلت خلال الايام القليلة الماضية في الجبل (حادثة #دميت) وفي الضاحبة الجنوبية (اطلاق النار على واجهة مطعم) وقبلهما أحداث حي الشراونة في #بعلبك وحادث اغتيال احد قيادات “الجماعة الاسلامية” في شبعا الحدودية، رجوعاً الى الحدث الامني الاكثر دوياً ودموية والاعمق دلالة وبُعداً في طرابلس والذي ذهب ضحيته 4 عناصر امنيين (دركيان وعنصران من الجيش)، ليخرج باستنتاج وخلاصة فحواهما ان البلاد وضِعت على صفيح ساخن جداً، وان ذلك ناجم حكماً عن امرين اساسيين:




– إما ان قبضة الاجهزة الامنية المعنية بالربط والضبط قد ضعفت ووهنت ليصير السلاح المنفلت “سيد اللعبة والإمرة”.

– وإما ان ثمة مَن ينفخ عن سوء نية على جمر هذه الاحداث المحدودة ليستثمر فيها سياسيا ويدفع الى تعزيز الانطباع القائل بان الدولة المتخبطة ماليا واقتصاديا من خلال عجزها المتمادي منذ اشهر عن اقرار موازنة عامة تنطوي على رؤية اقتصادية تطويرية انقاذية، قاصرة في الوقت عينه عن اداء الدور المنوط بها في الميدان الامني.

لا يمكن أحداً ان ينكر ان ثمة ثغراً امنية قد سُجلت اخيرا بحيث بدت معها الاجهزة والقوى الامنية المعنية عاجزة واحيانا مربكة، الى درجة ان ثمة فريقا سياسيا هو “تيار المستقبل” انصرف خلال الاسبوعين الاخيرين الى رفع مئات اللافتات في العاصمة وفي طرابلس وصيدا وربما مناطق اخرى، محورها الدفاع عن المدير العام لقوى الامن الداخلي في وجه هجمة مفترضة عليه تستهدف النيل منه ومن دوره.

واذا كان هذا النوع من “الدفاعات” ليس جديدا على السلوك السياسي لهذا الفريق بالذات، فهو في الوقت نفسه مظهر من مظاهر الانفجار المفاجىء للتناقضات والخلافات بين المكونات السياسية، والتي هددت في لحظة معينة بسقوط التسويات والتفاهمات التي كانت اساس اللعبة السياسية المستمرة منذ اكثر من ثلاثة اعوام خلت، وفي مقدم هذه الخلافات، الخلاف المستمر حتى الساعة بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”، ومن ثم الخلاف بين الحزب التقدمي الاشتراكي و”التيار الازرق”، والذي ظاهره الخلاف على النفوذ في اقليم الخروب وباطنه اعتراض الحزب الاشتراكي على مضامين “التفاهم الرئاسي” وموجباته. وفي هذا السياق لا يبدو مستغرباً ان يستغل رئيس التقدمي النائب السابق وليد جنبلاط الحادث الامني الذي سُجل في بلدة دميت الشوفية بين عناصر محسوبة عليه واخرى محسوبة على حزب “تيار التوحيد” برئاسة وئام وهاب، بغية اطلاق حملة سياسية على وزارتَي الداخلية والدفاع الوطني بتهمة اعطائهما رخص حمل السلاح بالجملة، وهو تصويب يبدو مزدوجا (على التيارين “البرتقالي” و”الازرق”)، إلا ان هدفه في لحظة احتدام التباين مع “التيار الازرق” واحد ظاهره امني محض وباطنه توجية رسالة اعتراض سياسي الى من يعنيه الامر.

ولئن كانت بعض القوى السياسية تبادر الى استغلال هذه “الثغر الامنية المتنقلة والمتكاثرة نسبيا” لتصفّي حسابات سياسية ضاربة بجذورها بعضها مع بعض، فان ما كان لافتا بالنسبة الى دوائر القرار في “حزب الله” هو التسليط المقصود لهذا الحجم من الاضواء على الحادث الامني الذي سُجل اول من امس في احد شوارع الضاحية الجنوبية، وتضخيمه الى درجة الايحاء بان “معجزة إلهية انقذت الضاحية من مجزرة كانت على وشك الحدوث”، ومن ثم يعاد تكرار معزوفة الحديث عن فلتان امني مزعوم في هذه البقعة الجغرافية بالذات.

الدوائر عينها تفيد ان الحادث من اساسه الى رأسه عبارة عن قضية جنائية تتصل بـ”قضية خوة”، اي انها تخلو تماما من اية أبعاد اخرى. ولقد بينت كل التقارير التي تناقلتها وسائط الاعلام عن تفاصيل الحادث وخلفياته، ان الحزب سبق له ان نسّق مع مخابرات الجيش والقوى الامنية الاخرى في القبض على شقيق مطلق النار على واجهة المطعم، ومن ثم سيق الى الجهات الامنية المختصة حيث ما زال محتجزا ويخضع للتحقيق، ما يعطي دليلا ان الحزب كان قد بدأ في المساعدة المطلوبة منه بغية انهاء ظاهرة الفلتان الامني في المنطقة. وفي الآونة الاخيرة استشعر الاهالي والتجار واصحاب المؤسسات في تلك البقعة، ان الامور الى تحسن واستقرار وان المظاهر الشاذة في طريقها الى التلاشي، لاسيما بعدما حزمت القوى الامنية امرها واستشعرت ان دورها على المحك. وبالفعل سجلت عمليات قبض واسعة ونوعية على ممتهني الخوّات وعلى مطلوبين ومشتبه فيهم، بل انه تمت تصفية جسدية لمطلوبين خطيرين منهم، ولاسيما في قضايا الاتجار بالمخدرات. وعليه فان ما حصل في الساعات الاخيرة يثبت مجددا جدية القرار بمنع عودة الفلتان والضرب بيد من حديد على المخلين بالامن، ويثبت ايضا ان “الوضع تحت السيطرة”.

وعليه كان الاولى ان تسلط الاضواء قبلا على عملية طرابلس الامنية ومن ثم عملية اغتيال القيادي في “الجماعة الاسلامية” في العرقوب، اذ بدا جليا ان كليهما ذو بُعد سياسي ينطوي على مخاطر وتداعيات محتملة، واللافت ان كلا من الحادثين قد دخل في جو من الالتباس والغموض، وكأن ثمة ارادة خفية في ابقاء القضيتين طي الكتمان او تقييدهما ضد مجهول.

في كل الاحوال، وإن كانت كل المؤشرات توحي بان “التوتر الأمني” ليس حالة مرشحة للفلتان، الا ان ذلك على بداهته لن يمنع بعض القوى لاحقا من رفع شعار: رفض تسييس الحالة الامنية، واستطرادا رفض التعمية المتعمدة على ظواهر، والاضاءة على ظواهر اخرى بقصد تكبيرها وتضخيمها.