//Put this in the section

لماذا أبلغ ”الحزب” ”الإشتراكي” ”القطيعة” وإلغاء الإجتماع مع جنبلاط في منزله؟

سركيس نعوم – النهار

هل هدأت الحال بين “حزب الله” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” بعد الاشتباك السياسي – الإعلامي – التكنولوجي الذي وقع بينهما قبل أسابيع قليلة؟ وهل أعقبت اللقاء بين الاثنين في منزل رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة الذي أثمر فقط وقفاً للسجال العلني بينهما لقاءات أخرى بعيداً من الأضواء لمتابعة البحث في أسباب الخلاف المباشرة وغير المباشرة؟ الجواب عن هذين السؤالين وعن أسئلة أخرى متفرعة منهما يميل الى السلبية أي الى استمرار علاقتهما الثنائية على حالها، لا تفاهم ولا لقاءات علنية أو رسمية على الأقل، والتزام التهدئة السياسية والاعلامية. وهذا جو غير سليم لانه يعني أن نار الخلاف ربما لا تزال تحت الرماد كما يقال، رغم أن عدداً من متابعي الوضع العام بكل تشعباته وتعقيداته يميلون الى اعتبار استمرار الهدنة إذا جاز وصفها على هذا النحو نتيجة للإشتباك الداخلي الكبير، بين “التيار الوطني الحر” الرئاسي و”تيار المستقبل” الحكومي، وللإنشغال بمشروع قانون الموازنة والخلافات حولها، كما بمواجهة الاحتجاجات الجدية والخطيرة للمؤسسة العسكرية ولقطاعات أخرى مدنية مهمة على الاقتطاع من رواتب العاملين فيها، ومن ذوي الدخل المحدود والفقراء من أجل خفض العجز بنسبة ضئيلة لاغراء المجتمع الدولي بالاستمرار في مساعدة لبنان(سيدر)، أو بالاحرى في مساعدة الطبقة السياسية على تنوعها على متابعة ممارسة الفساد العمودي والأفقي.




لماذا إثارة هذا الموضوع اليوم رغم وضعه خارج التداول من فريقي المختارة وحارة حريك؟ ليس طبعاً لإعادة الاشتباك، ولا لدفع أي منهما الى مواقف لا بد أن تزيد تأزيم الأوضاع السياسية وغير السياسية في البلاد. بل لوضع القرّاء في أجواء ما يجري استناداً الى المعلومات التي توافرت من مصادرها الجدية المتنوعة، ولتبصيرهم بأوضاع بلادهم والزعامات، وبخطورة المرحلة التي يمر بها لبنان والتي لا يمكن التكهن بحجم إضرار إنفجارها. طبعا للاشتباك بين المختارة وحارة حريك أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة تتعلق بالاستراتيجيا الواسعة والجدية للثانية وبغيابها عند الأولى، كما عند المرجعيات والفاعليات السياسية والطائفية والمذهبية الأخرى. لكنني سأحاول في هذا الموضوع رواية القصة كما سمعتها وسأترك للقرّاء تحديد الأسباب المشار اليها أعلاه.

تفيد المعلومات أن وزير الصناعة السابق حسين الحاج حسن ممثل “حزب الله” في الحكومة أعطى أذونات عدة بموجب قرارات لعدد من الأشخاص إما مخالفة للقانون وإما مؤذية لمصالح المواطنين على تنوعها. لكنه اضطر بعد مراجعات عدة وربما ضغوطات الى اتخاذ قرار بالتراجع عن أحدها فألغاه رسمياً. لكنه عندما كان يسلم رسميا مقاليد وزارته الى خلفه فيها الوزير التقدمي الاشتراكي وائل أبو فاعور طلب منه بالمونة طبعاً الغاء قرار الإلغاء المشار إليه.

ما هو هذا القرار؟ انه يتعلق ببلدة كيفون الشيعية الكائنة في قضاء عاليه التي يصبح عدد قاطنيها صيفا بين 30 و35 ألفاً. وموضوعه المياه التي لا حياة من دونها، والتي يعاني اللبنانيون كلهم غيابها ليس فقط أيام الشحائح أي في فصل الصيف، بل أيضاً في الفصول التي يهطل فيها المطر وتتساقط الثلوج. اكتشف اهالي كيفون نبع ماء أو ربما نهراً جوفياً مياهه نظيفة جداً وعذبة و”طيبة” تكفيهم صيفاً شتاءً، كما يمكن الافادة منها لتزويد قرى مجاورة لها بحسب الحاجة. وبعد بدء استثمار هذا النبع او النهر، باحتفال شارك فيه أهل كيفون ونواب وسياسيون شيعة ودروز بمدة، شعر الأهالي أن المياه فقدت الكثير من ميزاتها، فبدأوا البحث عن السبب. ووجدوا أن رخصة أو أذناً أعطي لاناس معينين لاستثمار “شير” معيَّن أي مقلع صخر بنشره وبيعه. وقد أثر ذلك على طبيعة المياه. فقامت القيامة من أكثر من جهة وأضطر الوزير المذكور أعلاه الى إلغاء الرخصة- الأذن. امتثل أصحابها فعادت العذوبة والنظافة الى المياه. لكنهم بدأوا الضغط لاحيائها الأمر الذي دفع الحاج حسن الى الطلب او التمني على أبو فاعور القيام بذلك. وتفيد المعلومات نفسها أيضاً ان قضية المعمل الذي يبنيه أو ربما بدا استثماره آل فتوش في خراج عين داره بالشراكة مع شخصية سورية نافذة جداً، والذي احتجّ عليه سكان هذه القرية وأبناء القرى المجاورة من مسيحيين ودروز، عادت الى الواجهة من جديد. فاتخذ الوزير أبو فاعور قراراً باقفاله معللاً بالمخالفات الكثيرة الموجودة فيه. فلجأ أصحابه الى القضاء لاحقاً ونجحوا في اصدار حكم باعادة فتحه واستمرار العمل فيه. تسبب ذلك في احتدام بين “حزب الله” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” فعقدت لقاءات عدة بين ممثلين لهما (مثّل “الحزب” الحاج حسين الخليل المستشار السياسي للأمين العام السيد حسن نصر الله) وشارك في بعضها رئيس الحكومة سعد الحريري. فيها عرض أبو فاعور أسبابه كلها وتم الاتفاق على الاستمرار في البحث في الموضوع بغية ايجاد حل له لاحقاً. لكن وفد “حزب الله” تأخر في”العودة” الى الاجتماعات الحوارية. وكان جواب أحد كبار مسؤوليه وفيق صفا عند استفسار “الاشتراكي” منه هاتفياً عن سبب عدم المتابعة كان الجواب أن هذه القضية…”ثقيلة”. المهم اتصل بعد فترة “الحزب” بأبو فاعور” ودار كلام عن اجتماع بين الفريقين في أحد مكاتب الاول، ثم اتصل الحاج الخليل بالوزير والنائب الاشتراكي السابق غازي العريضي وقال له نلتقي يوم الاحد المقبل عند وليد بك جنبلاط في منزله، ونتابع البحث في الموضوع نفسه وبالجدية اللازمة. لكن قبل أيام قليلة من اللقاء اتصل الخليل بالعريضي قائلاً: “أنا حزين. أريد ان أبلغك قرار “الحزب” قطع العلاقة مع الاشتراكي وإلغاء الاجتماع المقرر عند وليد بك”. حاول العريضي الاستفسار عن الدوافع والأسباب لكنه لم ينجح في ذلك. طبعاً الزعيم الدرزي الأبرز ورغم كل ما تعرض له ويتعرض له ليس حبتين، فتحدث بعد فترة عن لا لبنانية مزارع شبعا. تحركت طبعاً الوسائل الاعلامية على تنوعها وفي مقدمها المواقع الالكترونية القريبة من”الحزب” مهاجمة جنبلاط ومتهمة أياه بتأييد “صفقة القرن” مع اسرائيل او جزء منها. كتب العريضي عندها مقالة للحزبيين “الاشتراكيين” بهدف تهدئتهم وللتأكيد لهم كما “لحزب الله” أن وليد جنبلاط لم يرتكب خطيئة. فهذه المزارع احتلتها اسرائيل في حرب 1967، وقد شملها قرار مجلس الأمن الرقم 242 الذي صدر في أعقاب انتهائها معتبراً اياها سورية. ثم تمركزت فيها قوات الأمم المتحدة “الأوندوف”، في حين تمركزت قوات اخرى لها باسم “اليونيفيل” في اراضٍ لبنانية لاحقاً. وأشار الى ان لبنان ومعه حزبه طالب باستعادة المزارع كونها لبنانية. لم تعترض الأمم المتحدة على ذلك لكنها طلبت إثباتاً. ولم تقدم سوريا هذا الإثبات. بعد ذلك بمدة اتصل الحاج حسين الخليل بأبو فاعور ودعاه الى اجتماع بين “الحزب” و”الاشتراكي” في مقر الأول. أبلغ أبو فاعور ذلك الى العريضي فكان جوابه: “أنا لا أحضر الاجتماع”. فلما سأله: لماذا”؟ أجاب: “لقد أبلغني الحاج الخليل شخصياً “القطيعة” بين حزبه وحزبنا. وبدأت الهجمات علينا وشملت وليد بك والغى الخليل اجتماعاً مقرراً معه وفي منزله مفتتحاً بذلك القطيعة، وتريدني أن أذهب “لعندو”. أنا لن أذهب. على كل حال إسأل وليد بك. وفي كل الاحوال تذهب انت وأنا لن أرافقك”. وتفيد المعلومات نفسها ثالثاً أن المشاورات بدأت لاجتماع “الحزبين” في مكان بديل. وحدث في تلك الفترة أن زار العريضي الرئيس نبيه بري في عين التينة، علما انه يزوره دوريا والعلاقة بينهما وثيقة. وقال بري لا بد من اجتماع بينكم وبين “الحزب” لبّت هذه المشكلة وانهائها، وسيتفق على مكان له”. وافق العريضي وقال: “عندك هون بالبيت. لماذا لا؟” وافق بري. طبعا عقد الاجتماع ولم يعطِ نتائج نهائية، لكنه أوقف السجالات والاتهامات بين “الحزبين”. وفيه تحدث رئيس المجلس وزعيم “أمل” بمحبة وثقة وايجابية عن وليد جنبلاط معتبراً اياه “شجاعاً ومقداماً وكريماً”. ولم يترك إيجابية عنه إلا قالها. ثم طُرِح أساس المشكلة: كيفون (الغاء القرار) وأعقبها طرح قضية معمل عين داره. وقال الاشتراكيون في هذا المجال: “ماذا تر يدون انتم (“حزب الله”) من معمل عين داره؟ انكم تبنون معملاً مماثلا لكم في جنتا في البقاع ولم يسألكم أحد عن ذلك ولم يعترض أحد عليه. (في تلك الفترة كان وليد بك “طّراها” قليلا بتصريح دوّر فيه الزوايا من دون أي تراجع)“. وقال أيضا “أن منطقة معمل عين داره كان يفترض أن يتمركز فيها الجيش السوري العامل في لبنان وفقاً لاتفاق الطائف في حال تم التفاهم على انسحابه الى البقاع بعد تطبيقه. والسبب انها منطقة كاشفة ومطلة على الكثير. طبعاً لم تنسحب سوريا في حينه. فهل القصة هي الدفاع عن معمل أصحابه لبنانيون وسوريون نافذون من أجل استخدام انتاجه في اعادة اعمار سوريا؟ أم هي قصة وجود “الحزب” في هذه المنطقة لأسباب استراتيجية اقليمية ولاسباب محلية منها الاشراف على الجبل الدرزي من ناحيتها. علماً انه يشرف عليه ايضاً من جهة أخرى أقرب الى الجنوب. وعلماً أيضاً انه حقق “اختراقاً” داخل هذا الجبل“. طبعاً لم يثر أحد موضوع مزارع شبعا والخلاف حوله، فقال العريضي: “إذا القصة قصة معمل”. ثم قام بمداخلة قال فيها: “انت تحترم السيد نصر الله وتحبه وقد أكون أنا مثلك. وحتى لا تقول أنني أبالغ قد أكون في ذلك “حدّك” أو وراءك قليلا. لكن أنا أيضا أحب وليد بك كثيراً واحترمه كثيراً. وهو كبير كبير من لبنان” ثم شرح موضوع مزارع شبعا باسهاب. طبعا انتهى الاجتماع الى لا شيء عملياً سوى وقف السجال. ولم يعقبه اجتماع آخر على الاقل الى ما قبل اسبوعين. ولو عقد في إثنائهما اجتماع لعرف به اللبنانيون لأن لا أسرار في بلادهم. ماذا يحصل بعد ذلك لا أحد يعرف.

كيف يرى آخرون ومن مواقع سياسية مختلفة وضع الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط؟

يعتقد هؤلاء أن مشكلة عين داره تسبب بها خطً طبعا الوزير أبو فاعور. ويقولون بكثير من الثقة أن وليد بك غير مرتاح منذ أكثر من سنة. فهو في حال حصار معلن أو غير معلن. ساعة من “حزب الله”، وساعة من رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري والخلاف على بلدية شحيم بين حزب الأول وتيار الثاني خير دليل على ذلك، وساعة من “التيار الوطني الحر”. وهو يعيش حالا من التخوف، ولا يبدو مطمئناً مئة في المئة الى مسيرة خلفه تيمور التي بدأت بانتخابه نائباً. فضلاً عن أن حلفاءه ما عادوا كما كانوا. مع الحريري مش ماشي الحال. مع بري العلاقة ممتازة. لكن قدرة الأخير على الذهاب الى الآخر في الدفاع عنه أو في التحالف معه لم تعد مطلقة بسبب الثنائية التي تجمعه مع “حزب الله”، كما بسبب القدرة الداخلية المتعاظمة للأخير. ومع “القوات اللبنانية” العلاقة قائمة لكنها باردة معظم الأحيان. فضلاً عن أن عند بعض متعاطي الشأن العام بجدية انطباعاً أن رئيس حزبها “الحكيم” صامت أكثر من اللازم وان تمثيلها الحكومي غير ناجح كثيراً لاسباب متنوعة. و”التيار الوطني الحر” زعيمه الفعلي ورئيسه جبران باسيل رغم سيئاته المعروفة ذكي جداً ونشيط جداً ويعمل مثل “البولدوزر”. طبعا يدعمه “حزب الله” كثيراً رغم شكوكه فيه أو بالاحرى تساؤلاته الكثيرة حوله، علماً ان هذا الدعم قد لا يدوم الى موعد الاستحقاق الرئاسي. أما القيادات السنية الكبيرة فيميل معظمها الى الهدوء بدليل أن البيان الذي حضَّره الرئيس فؤاد السنيورة قبل اجتماعه الاخير مع الرئيسين السابقين تمام سلام ونجيب ميقاتي كان قوياً جداً. لكن الاخيرين لم يوافقا عليه وأدخلا عليه بعض التهدئة.