//Put this in the section

التنفيعات السياسية تفاقم مشكلتها… المباني المستأجرة وجه آخر للهدر في لبنان

كارولين عاكوم – الشرق الأوسط

تشكّل المباني المستأجرة من قبل الدولة اللبنانية مصدراً واضحاً للهدر المستمر يفوق 200 مليار ليرة، (نحو 136 مليون دولار)، وهو الأمر الذي وإن تمت الإشارة إليه في الموازنة الأخيرة، إلا أن تصحيحه ليس محسوماً في ضوء أسباب وعوامل عدّة، أهمّها المحاصصة والتنفيعات السياسية، وهو ما يؤكد عليه نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني لـ«الشرق الأوسط».




ولاحظ مشروع الموازنة للعام 2019 قانوناً قديماً جديداً حمل عنوان «برنامج لتشييد أبنية للإدارات العامة في سبيل استغناء الدولة وإداراتها الرسمية عن أعباء وتكاليف استئجار المباني والإنشاءات التي تشغلها كمراكز ومكاتب لها». ووزعت اعتمادات الدفع على الشكل التالي، عن العام 2020 يدفع 200 مليار ليرة وعن العام 2021 مبلغ 165 مليارا وعن العام 2022 يدفع 275 مليار ليرة وعن العام 2023 يدفع 100 مليار ليرة. وبذلك تكون الحكومة قد أضافت تعديلات محدودة على المشروع نفسه الذي كان قد أدرج في موازنة العام 2018 بإلغاء المبلغ الذي كان مرصوداً له عام 2019 ورفع ذلك الذي كان مرصوداً للعام 2022 من 175 إلى 275 مليار ليرة وإضافة اعتماد للعام 2023.

وكان لافتاً أن هذا البند أتى منفصلاً عن بند آخر تضمّن «قانون برنامج لإنشاء أبنية وزارة المالية وتنفيذ مشروع إنشاء المبنى الموحّد لإدارة الجمارك في حرم مرفأ بيروت»، بحيث رصد مبلغ 29 مليار ليرة موزعاً بين عامي 2019 و2022 لوزارة المالية ومبلغ 22 مليارا لمبنى إدارة الجمارك، وهو ما أشار إليه حاصباني مرجحاً أن سبب الفصل هو التوجّه لإعطاء أولوية لهذين المبنيين بعدما حدّدت العقارات التي ستشيّد عليهما.

وفيما كان يفترض أن تكون مشاريع المباني هذه في طريقها إلى الانتهاء اليوم، يؤكد حاصباني أنه إضافة إلى أنه لم يتم البدء بها فحتى الآن ليست هناك أي خطط ودراسات لها، وهو ما يثبت غياب أي نوايا إصلاحية، مشيراً في الوقت عينه إلى عدم إيلاء المسؤولين أهمية لتقليص حجم هذا الهدر عبر مصدر آخر وهو الاستفادة على الأقل من المباني التي تمتلكها الدولة وتتقاضى بدلاً عنها إيجارات زهيدة أو متروكة من دون الاستفادة منها.

ويلفت حاصباني إلى عوامل أساسية تعيق السير بمشروع كهذا واصفاً إياه بـ«النظري» بالنسبة إلى الدولة اللبنانية. ويقول: «إضافة إلى غياب الجدية بالعمل وضرورة إيجاد مصادر لتمويل هذا المشروع الذي سيؤدي إلى توفير تكاليف الإيجارات، فهناك التنفيعات السياسية التي تحول دون بذل الجهود لتنفيذه، بحيث إن كل مستفيد من الإيجارات سيحاول تأخيرها». مع العلم أن معظم المباني المستأجرة مملوك لجهات محسوبة أو مقرّبة من الأفرقاء السياسيين.

وعن موضوع المباني التي تملكها الدولة، يقول حاصباني: «تم التطرق إلى هذا الموضوع خلال جلسات بحث الموازنة لكنه لم يناقش بجدية فيما تركز البحث على صغائر الأمور ولم يعط هذا الملف كما غيره من الملفات المهمة الحيز والاهتمام الكافيين». وأكد أن هذا الموضوع الذي سبق أن طرحه وزراء «حزب القوات» سيكون ضمن إطار عمل رئاسة مجلس الوزراء في موازنة عام 2020.

وتقدّر بدلات الإيجارات التي تدفعها الحكومة سنوياً للأبنية والعقارات التي تشغلها المؤسسات من وزارات ومدارس والجامعة اللبنانية ومؤسسات عامة أخرى بنحو 200 إلى 220 مليار ليرة. وبعض هذه المقرات لا يتم تشغيلها وتبقى فارغة، فيما لا يتطلب إنشاء أبنية حكومية أكثر من 750 مليار ليرة، بحسب ما أكدت دراسة «الدولة للمعلومات» في نهاية عام 2018، ويعود الإيجار الأكبر لمبنى «إسكوا» الذي تدفعه وزارة الخارجية وقيمته السنوية 15 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل 10 ملايين دولار، كما أن الدولة تنفق نحو 34 مليار ليرة بدل إيجار للأبنية المدرسية.

في المقابل، فإن الدولة اللبنانية تملك في بيروت وعدد من المناطق عشرات العقارات بمساحات شاسعة وهي مهملة وغير مستخدمة تقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات. أما القليل المستخدم منها فيؤجّر بمبالغ زهيدة، على غرار نادي الغولف اللبناني الوحيد في البلاد والذي بقي مشغلوه يدفعون بدل إيجار بقيمة دولار واحد سنوياً منذ العام 1963 حتى تم رفعه في العام الماضي إلى 50 ألف دولار سنوياً.