//Put this in the section
وسام سعادة

«مظلومية أهل السنّة»… وطلائع البعث في سوريا والعراق – وسام سعادة – القدس العربي

بعيد الاحتلال الأمريكي للعراق ثم انفجار الوضع الثوري والاحترابي الأهلي في سوريا تعاظم الشعور بـ«مظلوميّة أهل السنة» في المشرق العربي، وجرت على الشفاه مقولة جديدة هي «العرب السنّة»، كما لو أنّ وحدة الانتماء «التسنّني» بين العرب والكرد والتركمان والشركس في هذا المدى الجغرافي ـ الحضاري قلّما يحسب لها حساب، هذا على الرغم من أنّ فروع المدرسة «الإخوانية» مثلاً كان لهم حضور في البيئات السنية المشرقية غير العربية، ليس أقلّ بكثير من حضورهم بين العرب.

ما جرى اكتشافه عاماً بعد عام هو أنّ «مظلومية أهل السنّة» تعمّقت كشعور جمعيّ ولا تزال، لكنها فشلت في الوقت نفسه من أن تتحول إلى طاقة جذب، نحو التأسيس لطرح إقليمي يعني بلدان المشرق العربي، بل تحوّلت، ما بين سوريا والعراق، إلى قوة طاردة. هذا بالإضافة إلى أن «مظلومية أهل السنّة» المتشكية في الوقت ذاته من «تشييع» المنطقة، كانت إلى حد كبير بمثابة «تشيّع لاواعي» للعرب السنّة أنفسهم، على صعيد المخيال السياسي، بجرّهم إلى تيمة «انتصار الدم على السيف»، ودفعهم إلى استصدار تصوّرهم الكربلائي للأيام الجارية. من دون أن يسهم ذلك في الوقت نفسه في انضاج النظرة إلى المختلف المذهبي، فعلى هذا الصعيد، استفحلت «سرديات النواصب والروافض» من جهات مختلفة.




وإذا كانت «مظلومية أهل السنّة» هي من موقع «العرب السنّة» أي الفئة الوسطى جغرافياً في التركيبة العراقية، الواصلة بين الجنوب العربي الشيعي والشمال السني الكردي، وهي فئة لا تتمتع بالأكثرية الديموغرافية، فإنها انبثقت في سوريا كشعور الأنسجة الأكثرية من المجتمع السوري. مع هذا، في الحالتين، يقتضى الاعتراف، أنّ «مظلومية أهل السنة» بالأشكال التي تصاعدت فيها منذ 2003 إلى اليوم، لم تؤدّ فعلياً إلى وقف التدهور الحاصل بمعاش الأنسجة الأهلية «السنّية» إن في العراق أو في سوريا، وانضمت لهما «مظلومية أهل السنّة» في لبنان، بفعل مزيج من تغلب «حزب الله» الموالي لإيران على البلد، ومن ارتفاع مطالب «المناصفة الكاملة» مسيحياً، ومن وقائع التصدّع الداخلي للظاهرة الحريرية، وطبعاً تحت تأثير مجريات الأمور في سوريا والعراق.

وفي كلّ هذا تتراءى بالمجمل مرارة تجربة تسيّد «حزب البعث العربي الإشتراكي» على بلدان المشرق، حكماً في العراق وسوريا، واستتباعاً للبنان إلى تاريخ الجلاء عنه عام 2005، وانتقال مساعي الهيمنة إلى الحليف الإيراني الهوى للنظام البعثي الأسدي.

إلى حد كبير، لم تستطع سردية «مظلومية أهل السنة» أن تتجاوز في شكلها الأعم، خطوط التلاقح بين الأيديولوجية البعثية وبين طروح الأخوان المسلمين. تحديداً الجمع بين المعطى الإثني «عربي» والمعطى المذهبي «سنة» في مركّب «العرب السنّة» لم ينجح في تأطير الأكثرية المجتمعية حوله، بل العكس، فاقم الانقسامات بين أهل السنة، بل بين العرب السنة بشكل أساسي. بعض «مظلومية أهل السنّة» تغذيها كشعار نوستالجيا لصدام حسين، وبعضها تنطلق بشكل معاكس تماماً من نظرة عدائية لـ«البعث» تجد فيه، إلى جانب الخمينية، متسبباً أساسياً في تدهور أحوال «العرب السنّة».

والبعث لم يكن استهدافيا للعمق الشيعي في المجتمع العراقي وللعمق السني في المجتمع السوري. فعل البعث ذلك في البدء لاعتبارات فوق طائفية وليس طائفية محض، وان كانت تطييفية بامتياز بالنتيجة.

فعل ذلك من موقع «الطليعة»، التي هي في الوقت نفسه تجسيد للأمة وفوق المجتمع، طالما أن المجتمع قطري ومبعثر في داخله، تنخره النزعات الرجعية والطاردة، مجتمع غير سوي قوميا، بل «ميت» ويحتاج لمن يبعثه على رؤوس الأشهاد.

ولأن الطليعة يلزمها إعادة تركيب المجتمع من جديد سرعان ما اصطدمت «بعمقه» الذي تتكثف فيه كل مضادات الفكرة القومية الطليعية..

في العراق، كانت أمور البعث أسهل، حيث ربط التشيع بالشعوبية أسهل، وتكفي استعادة حرب الأخوين، الأمين والمأمون.

في سوريا، كانت أموره أصعب، طالما أن غالبية المسلمين سنة، لكن بما أن غالبية المسلمين السنة في العالم الاسلامي غير عرب اكتشف البعثيون أن «العمق السني» للمجتمع السوري «شعوبي» أيضا، ووجدوا في «الإخوانية» ـ والعثمانوية والسلفية ـ أشكالا أمضى للشعوبية.

الاعتبارات «التاريخانية»، ما فوق الطائفية، إنما المؤدية عمليا إلى تطييف «الطليعة» أكثر فأكثر، سنيا في العراق واقلياتيا في سوريا، هيمنت مطولا على البعثين، العراقي في تحسسه من التشيع، والسوري في تحسسه من التسنن.

مع فارق أيضا هو أن حافظ الأسد فرض نوعاً من «التسنن» على العلويين، واندمج تماما هو بالسردية الأموية، وبتعظيم صلاح الدين الأيوبي، في حين كان على بشار الأسد أن يتحالف مع قوى تقيم كل سرديتها على أن المعركة مع بني امية مستمرة وهي معركة كوزمية.

«مظلومية أهل السنّة» تحتاج إلى تفكيك. ليس لأنها لا تقوم على عناصر حقيقية، موضوعية، معاشة، فعلية. بالعكس، لأنها تستند إلى الكثير من هذا. لكن ما حصل لم يحدث تبعاً لـ«نظرية مؤامرة» بل تبعاً لـ«نظرية حول الطليعة» أتت بهذه الثمار السامة في العراق وسوريا.

لقد قدّم الإسلام السياسي، والإسلام الجهادي، وقدم الليبراليون، أشكالاً مختلفة من «مظلومية أهل السنّة». ما لم يقدّموه هو طرق باب «المسألة السنّية» بمفارقاتها في البلدين، وهذه المسألة تتصل بالمسألة القومية رأساً: ماذا بقي من فكرة «العروبة»؟ ماذا بقي من فكر القومية العربية؟ لأنّ المسألة «العرب سنية» تحيل في أول الأمر ونهايته على هذا.

كي تتوقف «مظلومية أهل السنة» من كونها نزعة طاردة، عليها أن تذوب في إعادة الاعتبار لطرح «قومي ما» من جديد، طرح متصالح تماماً مع كون اللون السنّي هو السمة الأكثرية للعالمين العربي والإسلامي، لكنه متصالح أيضاً مع فكرة التعددية الدينية والإثنية سواء داخل المجمع «السنّي» أو خارجه.