//Put this in the section

جنبلاط حريص على الحريري والطائف… العهد يحتكر القرار ويقضم الصلاحيات؟

ابراهيم حيدر – النهار

مرت الضغوط التي تعرض لها رئيس الحكومة سعد الحريري، وكأن شيئاً لم يكن. حتى في موضوع الصلاحيات لم يظهر أي اعتراض لدى الحريري الذي يعاني من الحصار ويتعرض للكثير من التشكيك كمرجعية للسنية السياسية. قرر الحريري وفق مصدر سياسي مطلع السير بالتسوية السياسية حتى النهاية، إذ لا خلاف مع رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يريده ركناً أساسياً في التسوية لكن تحت جناحه في موضوع الصلاحيات وفي إدارة الملفات الاساسية في البلد، أما الخلاف مع وزير الخارجية جبران باسيل فيمكن حله وفق المصدر على طريقة الحريري أولاً بتقديم المزيد من التنازلات، ثم بنقل المعركة إلى ضفة أخرى وإن كان أهلها من الحلفاء، فممنوع الحديث عن أي خلل أو اهتزاز في السنية السياسية، وفي إمكان “تيار المستقبل” وحده استيعاب الأزمات، ولا باس إذا كانت القاطرة تسير بقيادة التيار الوطني الحر وبقضم الصلاحيات.




انفجرت المعركة على الضفة الثانية، فجرى التصويب على وليد جنبلاط الأكثر حرصاً على أن يكون الحريري قوياً في التسوية. قبل ذلك كانت شظايا المناوشات تتطاير داخل بيئة السنية السياسية، من دون أن يعلن الحريري موقفاً حازما من موضوع التسوية التي يجب أن تكرس ما نص عليه اتفاق الطائف خصوصاً في ما يتعلق بالصلاحيات. اتضح أن الامور ذهبت في اتجاه آخر، وإن كانت آيلة نحو التهدئة وفق ما يقول المصدر السياسي، فكما هدأت على خط المستقبل والتيار الوطني بتسجيل الأخير غلبة لموقعه، ستهدأ أيضاً على خط جنبلاط الحريري إلا أنها ستترك آثاراً سلبية على العلاقة بين الطرفين.

تعرّض الحريري وتياره وأيضاً اتفاق الطائف، إلى هجمات من التيار الوطني الحرّ، خصوصاً بعد العملية الإرهابية في طرابلس. تبين بعد أيام ان الحريري لا يريد المواجهة خصوصاً مع رئيس الجمهورية. سلطت الأضواء على السنية السياسية، وموقعها في المعادلة اللبنانية، لكن رئيس الحكومة وفق المصدر بدا انه يواجه الحملات بالمبادرة إلى ضبط الفوضى وعدم منح بعض المستفيدين في داخلها من تحقيق انجازات على حسابه، لذا قرر العمل على “لملمة” السنية السياسية وعدم تركها مفتوحة للتلاعب والعبث. أما استيعاب ما يحصل في البلد وإعادة ترتيب التوازنات ومعادلة موازين القوى، فهو أمر متروك لمرحلة أخرى ولا داعي للخلاف مع الرئيس عون وإن كان يسعى الى تعديل الصلاحيات بالأمر الواقع والأخذ من الطائف ما يكرس تقاليد جديدة.

لكن لماذا انفجرت معركة المستقبل مع جنبلاط؟ يرجع المصدر السياسي الأمر الى طريقة تعامل الحريري مع التسوية وركنها الرئيس ميشال عون. تبين مثلاً أن الحريري اقتنع أن لا مبرر لمواجهة اتهامات التيار الوطني الحر، أو خوض معركة معه، فالحفاظ على التسوية لا يمكن أن يتم الا مع عون، وبالتالي ان من يدعو الحريري الى نسف التسوية هو من يدفع الأمور نحو الانفجار، ليظهر أن افتعال المشكلة مع جنبلاط في قضية بلدية برجا والجية هو لمنعه من التدخل في شؤون مرجعية الحريري وموقعه في التسوية وغيرها. علماً أن جنبلاط وفق المصدر هو الاكثر حرصاً على استمرار الحريري في أداء دور فاعل وقوي في التسوية وفي البلد. وهو الطرف المعني باتفاق الطائف الذي يتعرض للتقطيع والبتر والمصادرة.

شعر جنبلاط أن الحريري يستحضر ساعة يشاء الأمور الكبيرة التي تجمعهما، ويتناساها في منعطفات أساسية. وعندما فجر “المستقبل” المعركة أخيراً مع جنبلاط كان واضحاً أن الحريري لا يريد سوى استمرار التحالف مع العهد ومع باسيل مهما كانت الأثمان باهظة عليه وعلى بيئته، وكأن هذا التحالف وحده هو الذي يحميه كرئيس للحكومة، ولو على حساب الصلاحيات واختلال التوازن والموقع بفعل التحالف القائم بين العهد والتيار الوطني الحر و”حزب الله”.

وليد جنبلاط وحده رفع الصوت بعد العملية الإرهابية الاخيرة ضد استهداف السنّة. فما الداعي للتصعيد ضده؟ يجزم المصدر أن الحريري يرى في التحالف الذي أنتجته التسوية أنه الوحيد الذي يضمن استمرار الحكم، لذا لا مكان لـ”خواصر رخوة” أو مكامن ضعف، إذ أن التحالف مع جنبلاط مكلفاً في مواجهة العهد، علماً أن جنبلاط عرف حين تشكلت الحكومة وقضت بتخليه عن اسم الوزير الدرزي الثالث، أن قرار محاصرته قد اتخذ محلياً وإقليمياً، إلى حد شعر أنه وحيداً في مواجهة حملات الإطباق عليه. وأول الضربات محاصرته في الجبل وإضعافه، واستعيدت في المشكلة الناشئة عن خلاف اقليم الخروب، وحصر موقعه لبنانياً في دائرة ضيقة، وبالتالي منعه من أن يستند الى مناخ عام يحتضنه ويحميه.

أما اعتراض جنبلاط على ممارسات الحريري السياسية، فليست وفق المصدر لإضعاف موقعه، إنما لتعزيزه في التسوية. فلا خيار أمام جنبلاط إلا المواجهة، مرة بالاندفاع والهجوم، وثانية بالتهدئة ولملمة الأمور والتسويات، خصوصاً وأنه مستهدف في بيئته، مرة بمساهمة “حزب الله” ورعايته لهذا الاستهداف عبر خرق التمثيل الدرزي، وثانياً في محاصرته عبر تحالف “المستقبل” والتيار الوطني الحر على مسارات عدة، انتخابية وفي الصراع في الجبل وتوازناته. ولا يخفي جنبلاط وفق المصدر ان إحدى نقاط ضعف الحريري، تكمن في قدرة التيار الوطني الحر برئاسة باسيل على تحقيق ما يريد في مجلس الوزراء، طالما انه يتسلح مع حلفائه في الممانعة بالاكثرية، وفرض ما يريد، وهو يستعين بدعم “حزب الله” الذي أطلق يده لاطمئنانه إلى موقفه في الداخل وتغطية مشاريعه الاقليمية، وهو يرسم السقف السياسي للحكومة وتوجهاتها… وما يقلق جنبلاط أن محور الممانعة يسعى في المحصلة النهائية إلى الإمساك بالنظام عبر فكفكته أولاً واستثمار التسوية لفرض معادلات جديدة في البلد، فيما الحريري يستمر متمسكاً بالتسوية، بلا صلاحيات!