//Put this in the section

عبد الرحمن مبسوط… صناعة أجهزة أمنية

مسعود محمد

لبنان وأجهزته الأمنية أخذوا رهائن من قبل النظام السوري لثلاثين عاما، زرع خلالها النظام رجالاته في تلك الأجهزة وصولا الى تعيين إميل لحود قائدا للجيش، ولاحقا رئيسا للجمهورية، يتبع الإمرة المباشرة للنظام السوري. رغم إنسحاب ذلك النظام من لبنان إلا أن حضوره مازال فاعلا في تلك الأجهزة التي تطبعت بطريقة عمل النظام السوري من حيث إستخدام آليات التحقيق الغير إنسانية، والعمل على تأسيس خلايا إرهابية لإستخدامها عند الطلب والضرورة.




منذ ولادة التسوية الرئاسية، ما انفك وزير الخارجية جبران باسيل يوجّه اللكمات الى كل أطراف التسوية السياسية، إبتداء بالقوات اللبنانية، مرورا بالحزب التقدمي الإشتراكي، وأخيرا وليس آخرا، الرئيس سعد الحريري وتياره، وذلك لاستعادة ما اسماه باسيل في خلوة تل ذنوب الشهيرة بـ”الحقوق المسلوبة” من المارونية السياسية بواسطة “اتفاق الطائف”.

معارك من هذا النوع الضرب يكون فيها من تحت الحزام، وآخر ما يستخدم فيها هو الأخلاق، والوزير جبران باسيل أشهر من ميكيافيلي بذلك النوع من الممارسات، وهو من بنى إمبراطورية مالية من ” قهوة على المفرق” كما تقول السيدة فيروز تركها له والده، لتتحول تلك القهوة الى ثروة كبيرة جناها معالي الوزير بشطارته.

لكمات الوزير باسيل تعاقبت على كل أطراف التسوية، مع كل استحقاق بدءا من تشكيل الحكومة، مرورا بقانون الموازنة، ويبدو انها مستمرة الى حين فتح ملف التعيينات الادارية والعسكرية المرتقبة ولن تتوقف حتى تسجيل اكبر عدد من النقاط ومراكمة الانجازات.

في ظل تلك الهجمة الباسيلية، وجد رئيس الوزراء سعد الحريري نفسه بمواجهة طائفته، وبيته الداخلي، ووجد نفسه متهماً بالتخلي عن حقوق الطائفة، والتنازل عن صلاحيات رئاسة الوزراء واحدة تلو الأخرى بممارسة الصمت المريب أمام هجمات باسيل، ولم يجد مدافعا عنه سوى أمين عام تياره أحمد الحريري عبر بعض التغريدات الشعبوية التي لا تنصرف في السياسة، والوزير السابق وئام وهاب، حيث غرد رئيس ” حزب التوحيد العربي” عبر حسابه على “تويتر” بالقول: “مع خلافنا السياسي أقول إذا اختار الرئيس الحريري التسوية وتمرير الوقت بأقل الخسائر، لا يعني بأنه أصبح أداة بيد الآخرين فهذا اتهام مبالغ فيه، والحملة تكاد تتحول إلى حملة ظالمة فهل نستطيع النقاش بهدوء؟”..

الهجوم الإرهابي في طرابلس بدا كضرورة ليغلب وجهة نظر على أخرى، وكأنه أتى غب الطلب، وذلك ليظهر هشاشة البنيان اللبناني الداخلي، المنقسم على نفسه، ليس في السياسة والأمن فقط، بل أيضاً في الملفات المعيشية والحياتية البسيطة.

وقد يكون ملف الموازنة – وما ترافق معه من تحركات في الشارع رفضاً للمسّ بالرواتب، ولا سيّما مكتسبات وحقوق العسكريين في الخدمة الفعلية كما المتقاعدين منهم – أبرز القضايا التي عادت لتطرح نفسها بقوة بعد اعتداء طرابلس.

فالهجوم الإرهابي، والطريقة التي استخدمت لتنفيذه، جعلا الأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمنية بحالة استنفارٍ قصوى مجدداً، رغم أنه في تلك الأجهزة من هو ليس بمواجهة فعلية مع الإرهاب وهم من سهلوا بالتعاون مع حزب الله، إنسحاب الإرهابيين نحو قواعدهم في سوريا من الحدود الشرقية، والتضحية بدماء أسرى الجيش اللبناني.

ليس جبران وحده بل حتى سعد الحريري وجد نفسه محشورا في ظل ردة فعل قيادات من الطائفة السنية الرافضة لمنطق التسوية التي تحكم العلاقة فيما بين الحريري وجبران باسيل، كل لحسابات خاصة به، إبتداء بزيارة الوزير نهاد المشنوق الى دار الافتاء و بيان رؤساء الوزراء الثلاثة (ميقاتي، السنيورة، سلام) ثم كلام المفتي عبداللطيف دريان في خطبة العيد، لذلك كله كان لا بد من مخرج، وعلى طريقة ساحر الخفة فأخرج علينا عبد الرحمن مبسوط ليطلق زوجته بطريقة مسرحية عبر الواتس آب، وينطلق بغزوته ويبدأ باطلاق النار عشوائيا، وينفذ عملا مدان، محققا ما في نفس يعقوب، ووضع الطائفة السنية برمتها في موقف الدفاع عن نفسها، وهي من إتهم وزير الدفاع قيادات منها بعدم الشدة مع مبسوط، ولمح الى تورط قيادات منها بالدفاع عن الإرهاب والإرهابيين.

جولات المعارك الافتراضية بين التيار الوطني الحر والمستقبل وآخر فصولها ظروف محاكمة مبسوط، وإطلاق سراحه، ليست سوى إنعكاساً لفشل إضافي لمنطق الدولة وسيطرة العصبيات السياسية والطائفية التي باتت نهجا متعمدا، وتراشق التهم الذي إنخرط فيه وزراء ونواب الطرفين لا يحجب بأن تقصير السلطة لا يمكن تجزئته وفق مصلحة طرف ما دون الآخر.

إذا أحب الله عبدا إبتلاه، ويبدو أن الطائفة السنية في لبنان على رأس لائحة الحب، فلقد إبتلاها الله بباسيل والحريري معاً، الأول بجشعه والثاني بصمته وتجاوزه عن كل شيء حتى دم والده في سبيل السلم الأهلي ومصلحة البلد كما يقول.

معالي الوزير جبران باسيل، فذكر إن نفعت الذكرى، ستكون أنت والمسيحيين أول الخاسرين بسقوط إتفاق الطائف، من حفظ حقوق المسيحيين، هو من تهاجمه سرا وعلانية الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أوقف العد وكرس المناصفة، وحفظ التعددية في لبنان. المنطق الذي تتعامل فيه مع اللبنانيين، مقابل بعض التصفيق من أنصارك سيقودنا الى حرب ستكون فيها أنت ومن تمثلهم أول الخاسرين، إذا سقط إتفاق الطائف فالغلبة للعدد وأنت ستخسر، إذا كنت فعلا معتقد إنك عملاق أدعوك للوقوف أمام المرآة لتتأكد من أنك لست كما تدعي.

دولة الرئيس سعد الحريري إذا كان جبران باسيل قد أوهمك انه عملاق، فأنا اذكرك بأشهر مقولات دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ” ما حدن أكبر من بلده” حتى ولو كان جبران باسيل.

يقول المفكر الشهيد حسن حمدان “الشرط الأساسي لوجود الدولة كدولة مركزية هو أن لا تكون طائفية”، وطبعا أن لا تكون باسيلية تعيش وتعتاش على الفكر الطائفي الضيق الأفق، وقصير البصيرة.