منازلة الحريري وباسيل على الحكم… الشراكة تترسّخ بين عون وحزب الله

ابراهيم حيدر – النهار

انفجار الصراع بين مكونات الحكومة، وخصوصاً بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”، أعاد الأمور إلى الموضوع الأصل، اي الصلاحيات التي أرساها اتفاق الطائف وسار بها لبنان في ظل الوصاية السورية منذ عام 1990. ولعل السجال الذي برز بعد قرار المحكمة العسكرية في قضية المقدم سوزان الحاج كشف التناقضات المدرَجة تحت التسوية السياسية بين التيارين الكبيرين، والتي جاءت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد #الحريري رئيساً للحكومة وهي الثانية في عهد عون وشكلت استمراراً للتسوية من دون أن تسقط على رغم الخلافات والأزمات، ومنها موضوع النأي بالنفس الذي عاد إلى الواجهة مجدداً وشكَّل مادة دسمة في الخلاف، لا سيما أن “حزب الله” معني مباشرة بالموضوع.




بدا أن هذه التناقضات والخلافات قد فتحت ملف الصلاحيات على مصراعيه، وفق مصدر سياسي متابع، وهو ظهر في مناقشات الموازنة في مجلس الوزراء قبل إقرارها، ما يشير إلى أن التسوية ومعها الحكومة يحملان في طياتهما عناصر قابلة للإنفجار، تبدأ أولاً بالقرار في الحكومة ثم بالهيمنة من قوى مختلفة، وإن كان لا مصلحة لأحد اليوم، وتحديداً في ظل الأزمة المالية، في العبث بالتوازنات خوفاً من الانهيار.

لم يعد الأمر مجرد تحسين مواقع داخل الحكومة وفي الحكم، يقول المصدر السياسي، وان ما حصل أخيراً في المحكمة العسكرية، وما ظهر من تدخلات تشير في شكل مباشر إلى “التيار الوطني الحر” ممثلاً بوزرائه، لا يقف عند هذا الحد، إذ تبين للحريري أن ما يجري هو بمثابة انقلاب على كل المواقع التي تعني رئاسة الحكومة وصلاحياتها، بدءاً من الحكم المسيّس إلى محاولة استهداف المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان، ثم محاولة السيطرة على بعض الأجهزة الأمنية وإلحاقها مباشرة بالعهد، ومنها جهاز أمن الدولة الذي أصبح بالنسبة الى الحريري بيد وزير الخارجية جبران باسيل. أما النقطة التي فجرت الخلاف فهي ما رشح عن استهداف فرع المعلومات بتغطية صريحة من #حزب_الله الذي لا يخوض المعركة مباشرة إنما من خلال تحالفاته وموقعه في البيئات الطائفية الأخرى. وقد انفجرت الأمور على كل الجبهات، فوفق المصدر كان متوقعاً من الحريري أن يقول كلمة الفصل في مجلس الوزراء عند مناقشة الموازنة، لكنه أراد أن يعبر بهذا الملف الأساسي المرتبط بـ “سيدر”، ليكتشف أن رئيس “التيار الوطني الحر” ذهب بعيداً في فتح الملفات بما يتخطى الموازنة إلى نبش ملف الصلاحيات الرئاسية واتفاق الطائف، وأكثر من ذلك التدخل في قلب الساحة السنية بما يعتبر خطراً على مرجعية السنية السياسية المتمثلة اليوم بالحريري.

يذكِّر المصدر السياسي بالجدل الذي أثير حول ادارة رئيس الجمهورية لجلسات مجلس الوزراء، ويؤكد أن عون لن يتوقف عن ممارسة المزيد من “الصلاحيات” انما بأدوات مختلفة قد تحدث جدلاً مع موقع الرئاسة الثالثة، فتعديل الصلاحيات غير الممكن اليوم دستورياً، يعوَّض بتثبيت أعراف وتقاليد تُستخدم في ممارسات الحكم، وفي الإمساك بالمؤسسات والأجهزة، وهو لا يخفي أن الرئيس يعتبر اللحظة مناسبة لممارسة السلطة على أساس الأمر الواقع وتفسير الدستور انطلاقاً منه.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، فالعهد الذي يريد تحقيق انجازات خلال المرحلة المتبقية من الولاية، يستخدم كل الأوراق لفرض وقائع جديدة، بما في ذلك إيصال رسالة مفادها أن الجيش خط أحمر ترعاه الرئاسة وامتداداً “التيار الوطني الحر”. ووفق المصدر، فإن عون الذي يطلق يد باسيل، وإن كان يريد الحفاظ على التسوية، يمارس الحكم من منطلق أن الرئاسة هي المرجعية الأولى على حساب صلاحيات الرئاسة الثالثة، أي السلطة التنفيذية. ويكشف المصدر السياسي أن ما جعل “التيار العوني” يجادل الجميع ويتقدم عن طريق الوزير باسيل في قضم الصلاحيات وفرض وقائع جديدة، هو استنكاف الرئيس الحريري عن المواجهة بتبرير أنه لا يريد الإنقلاب على التسوية، إلى أن شعر أخيراً بأن الأمور تخرج عن السيطرة، خصوصاً في موضوع القضاء وأن شريك التسوية في الحكم يضع يده على هذا الجسم ويقرر من خلاله مسارات كثيرة بما فيها الحملات على أجهزة تُعتبر من الثوابت لديه.

وبعدما رفع “تيار المستقبل” وتيرة خطابه ضد ممارسات “التيار الوطني الحر” ومرجعيته، يلفت المصدر إلى أن الرئيس الحريري تأخر كثيراً في الاعتراض على ما يحصل، وينقل عن مسؤولين في “التيار الأزرق” أن المواجهة لن تصل الى تفجير التسوية ولا إلى الاستقالة، إنما لوقف المزيد من الخسائر، ويكشف أن الحريري سيصارح رئيس الجمهورية في كل الملفات الخلافية من دون أن تؤدي الأمور الى أي تغيير في الوقائع التي بدا أن الرئاسة الأولى ضمنتها بدعم من “حزب الله” الذي يتصرف أيضاً من خارج التسوية ويطلق المواقف بمعزل عما اتُّفق عليه في التسوية، وكأنه المقرر في البلد في حالتَي السلم والحرب.

لن تصل اعتراضات الحريري إلى دفن التسوية السياسية، فهو يعرف وفق المصدر أن ضعفاً قد حلّ في تحالفاته، جعل من موقع “القوات اللبنانية” هامشياً، فيما تعرّض رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد #جنبلاط لضغوط وحملات عدة، والأخير كان الأكثر تعبيراً عن الحالة التي وصل اليها البلد من “الاستفراد والغرور والشهوة الرئاسية للبعض وصمت الآخرين، إلى تحنيط الطائف ودفنه”. فهناك من يمسك بمفاصل رئيسية في القرار منذ اتفاق الطوائف، جعل قوى اساسية تتقدم حصرياً لإخراج التوازنات الطائفية والتحكم بها. لذا يريد العهد أن تطلق يده السياسية في إدارة شؤون الحكم. وأمام هذا الواقع، تسأل شخصية سياسية عما إذا كان الرئيس عون ومعه الوزير #باسيل، يسعيان من موقعهما إلى أن يكون “حزب الله” هو الشريك الأساسي في حكم البلد ويدير موقع الرئاسة بين التناقضات اللبنانية، تحضيراً للحاكم المقبل؟