//Put this in the section

تجّار الفصول الأربعة – الدكتور داود الصايغ – النهار

ليس الضجيج هو الذي يصنع الحكم. وليست الشاشات هي مائدة السلطة. يجري ذلك حين يطغى الكلام على الإنجاز لدى البعض، عندما يحصل نقص في المادة على لغة التجار، فيستبدلون مائدة مجلس الوزراء، حيث السلطة التنفيذية، بالشاشات والكاميرات تسبقهم إلى أنىّ تحركوا، فيسقطون في التوصيفات الهوجاء التي لا تترك في النتيجة سوى الغبار على جدران السياسة، ولا تصيب ذلك البناء الذي بناه المؤسسون في عقولهم الناضجة ونفوسهم الرضية، حين تطلعوا ” فإذا كل شيء حسن”.

كان هنالك فرق بين الذين حفروا أسفار لبنان في صخر الزمان، والذين حولتهم المسؤوليات الطارئة إلى باعة متجولين، يسمونهم بالفرنسية “تجار الفصول الأربعة”. لكل فصل بضاعته، فيعرضون على عرباتهم البضائع المستهلكة من فصول بائدة، من فرط عجزهم عن دخول ملاعب الكبار.




فلو قدّر لمحكمة التاريخ اليوم أن تصدر حكمها على التجربة السياسية اللبنانية، من خلال الإداء الذي وصل إليه البعض، لحكمت عليها بالفشل على الأرجح. ولكن كلا. ليست هذه هي التجربة. ولا ذاك هو الوطن الذي جبلته الأيدي المتلاقية، الأيدي الجبارة المتشابكة بالعنفوان والترفع، والتي إلتقت الأهداف إياها، من على الشرفة العالية حيث تولد الأوطان.

لبنان اليوم هو لبنان الضجيج. ذاك الذي إفتعله الباحثون عن أنفسهم وليس الباحثون عن الوطن وأحواله ومصيره وسمعته ودوره. لأن لبنان اليوم، لو نَظَرَ إليه الأصدقاء الدوليون من خلال الممارسة السياسية فيه، لتجاهلوه وتخلوا عنه بسهولة. لكن لبنان الآخر هو الذي ما زال حاضراً لدى الأميركيين والأوروبيين ولدى الفرنسيين بشكلٍ خاص، ينظرون إليه من خلال ما يمثل من ضمير العالم، ذلك “الكنز” كما وصفه إيمانويل ماكرون في نيسان 2018 في مؤتمر “سيدر” موجهاً كلامه إلى الرئيس سعد الحريري وليس من خلال من يمثله داخلياً في معاركهم الصغيرة.

تجاهل العالم المعارك الداخلية الصغيرة وصَبَرَ طويلاً وهو يراقب عملية إقرار الموازنة، بعد عملية تأليف الحكومة، محاولاً الإستمرار بإعتبار لبنان تلك الواحة المضيئة في الشرق، جاهداً لصونها وحمايتها ولو على رغم محاولات تدميرها على أيدي بعض أبنائها. تجاهلوا الأصوات المرتفعة والمهددة للمتنافسين على المراكز: هذا الوزير لي، هذا النائب لي، هذا الضابط لي، هذا السفير لي… وهذا القاضي لي، وهو أفظع ما حصل.

حسناً. وماذا ستفعلون بعد ذلك؟ بالفعل قولوا لنا ماذا بعد ذلك؟ ماذا ستفعلون بهؤلاء الأزلام. بهذه الولاءات الفاضحة، بالذين جاؤوا يتعلمون مهماتهم في مراكز المسؤوليات على حساب الناس، وفضلهم الأول الولاء قبل الكفاءة والجدارة؟ قولوا لنا كيف تحول بعض القضاء إلى تصفية حسابات. قولوا لنا أين هو إرث شكري قرداحي وصبحي محمصاني وبشارة طباع وإميل تيان وعبد الباسط غندور وجورج ملاط وعاطف النقيب وجواد عسيران؟

صراع أحجام؟ أحياناً حجم واحد يكفي لترك علامة في التاريخ. قولوا لنا من أنشأ مؤسسة في الدولة بعد فؤاد شهاب؟ قولوا لنا من رفع حجراً بعد رفيق الحريري؟ كبيران بين الكبار، على خطى بشارة الخوري ورياض الصلح وميشال شيحا وكمال جنبلاط وصائب سلام وريمون إده وحميد فرنجية وعادل عسيران. قولوا لنا من كتب منكم بأقلام رفاق المؤسسين أمثال جورج نقاش وكامل مروه ومحمد بعلبكي وسعيد فريحة وغسان تويني وزهير عسيران؟ وبكلمة قولوا لنا ماذا أنجزتم؟

لماذا كل هذه الضوضاء. ضد من هي موجهة؟ فمتى كان إفتعال الخصومات إنجازاً؟ قولوا لنا لماذا فقد المواطن ثقته بالدولة حتى جعل رئيس الجمهورية ميشال عون يقول في حفل إفطار القصر الجمهوري في 14 آيار الماضي “إن المواطن اللبناني وعلى مر السنوات الماضية فقد ثقته بدولته ولم يعد يشعر أنه معني بها…”. كان ذلك كلاماً كبيراً يصدر عن رئيس الدولة نفسه: المواطن فقد ثقته بالدولة. وهي الأسباب ذاتها التي حملت الرئيس سعد الحريري على رفع الصوت أخيراً مندداً ليس فقط بما آلت إليه الممارسة السياسية، من خلال كلام غير مسؤول يصدر عن مسؤولين، بل مذكراً بأصول العمل في نظام الحكم اللبناني، النظام البرلماني.

كيف تفككت السلطة مع فريق يفترض أن يكون متضامناً، إلى مجموعات مشتتة لا ضابط لها سوى مرجعيتها. ألا نزال في نظام حكم معروف الأوصاف؟

تسابق على ماذا؟ على الإنتخابات النيابية المقبلة، بعدما عبث قليلو الخبرة وكثيرو الشراهة بقانون لا همّ لهم فيه سوى زيادة المقاعد، فشوهوا تراث التمثيل النيابي في لبنان.

تسابق على الرئاسة، وولاية الرئيس لا تزال في منتصفها. تريدون كل شيء لأنفسكم. هذا فهمناه. ولكن أليس هنالك من يريد شيئاً للوطن؟ هل هذا لبنان، الذي حولتموه إلى مجموعة مشاكل، إلى مجموعة فضائح تتسابق الشاشات على عرضها كل يوم، كما تتسابق في تحركات بعض المسؤولين في تنقلاتهم في المناطق، كأن الزيارة هي الحل، كأن التغطية الإعلامية هي انجاز لتحركات الوزير.

كان السير توماس مور الإصلاحي البريطاني الشهير الذي طوبته الكنيسة، قد وقف في وجه الملك هنري الثامن عام 1533 ضد تسخيره السلطة لأهوائه الشخصية ونزواته فسمّوه “رجل كل الفصول”، أي الرجل الصلب الذي لا يتبدل ويقف في وجه كل العواصف إلى أن أعدمه الملك. فهنالك فرق بين رجال كل الفصول وتجار كل الفصول.