//Put this in the section

تعيينات لقيام دولة أم للقضاء عليها؟ – بقلم بطرس حرب – النهار

لقد اعتاد اللبنانيون في هذه الأيام البائسة الانتقال من أزمة إلى أخرى، وها نحن اليوم على مشارف أزمة جديدة، محورها التعيينات المنتظرة لملء المراكز الشاغرة الكثيرة في المجلس الدستوري والقضاء والإدارات والمؤسسات العامة، وهي مرشحة، كما يبدو من الأجواء السياسية والمواقف التي طالعنا بها بعض المعنيين بالأمر، لتكون أزمة كبيرة.

فالخلاف بين الطوائف على توزيع هذه المواقع قد حسم بتوزيعها مناصفة بين المسلمين والمسيحيين في إتفاق الطائف، إذ ليس من مطالبة بموقع تشغله طائفة معينة من طائفة أخرى، فالخلاف حاصل بين أبناء الطائفة الواحدة، وبصورة خاصة بين القوى السياسية المسيحية. وسبب ذلك أن فريقاً منها، متقدم على الآخرين في مواقع السلطة بحكم القربى والعدد والنفوذ، مصمم على الاستئثار، ووحده، بكل التسميات لملء المراكز الشاغرة المطروحة، وزرع محاسيبه وأزلامه ومحازبيه فيها، والسيطرة، عبرهم، على السلطة القضائية وعلى إدارات الدولة ومؤسساتها، وتحويلها إلى إقطاعيات خاضعة لنفوذه ومصالحه، وكأن ليس لأي مواطن لبناني، غير تابع لهذا الفريق، الحق في تولِّي الوظيفة العامة، أو في إنتخابه رئيساً أو عضواً في المجلس الدستوري، أو تعيينه في أحد المراكز القضائية العليا.




المشكلة في أن بعض القوى السياسية الحاكمة تتصرف وكأن الدولة اللبنانية، بسلطاتها الدستورية كافة، وبقضائها وإداراتها ومؤسساتها، ملك له وتدخل في ميراثه الشخصي، وهو ما يجعل اللبنانيين فئتين، فئة صاحبة إمتيازات وحقوق في الدولة، لأنها تنتمي إلى القوى الموجودة في السلطة، وفئة أخرى، تشكل الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، لا حقوق لها، ولا ضمانات لوجودها، ولا قيمة لمواطنيتها ولانتمائها إلى الوطن والدولة.

والغريب في ما وصلنا إليه، أن المواطنين المستقلِّي الرأي، غير التابعين لأحزاب وكتل السلطة، يخشون خلاف أهل السلطة بقدر ما باتوا يخشون توافقهم على تقاسم الجبنة، لأنهم سيكونون في الحالتين، ضحايا هذا الاتفاق الجاري على حساب مبادئ قيام الدولة وحقوقهم.

فالمجلس الدستوري، المنوط به مراقبة الانتخابات الرئاسية والنيابية ومراقبة دستورية القوانين، والذي يعتبر إنشاؤه الإنجاز الأهم في التعديلات الدستورية التي تمّ التوافق عليها في الطائف، لم يُنشأ ليكون في خدمة السلطة ومتولّيها، ولا في خدمة الطوائف والأحزاب، ولا في خدمة الزعماء، ولا حتى في خدمة رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس الوزراء، لقد أنشئ ليكون في خدمة الدولة اللبنانية وكل اللبنانيين. فهو الضامن لحسن سير الدولة ولإبطال أي تزوير لإرادة الناخبين في اختيار رئيس الجمهورية أو نواب الأمة، وهو الساهر على دستورية القوانين، والقادر على إبطال أي قانون يخالف الدستور والمبادئ الدستورية التي قامت عليها الجمهورية. ولأجل ذلك، يفترض العمل على إختيار أعضائه من بين أكثر اللبنانيين كفاءة وعلماً ونزاهة وتجرداً ، على أن يكون العنصر الأساس لاختيارهم، أستقلالية قرارهم الدستوري والسياسي، وعدم خضوعهم لتوجيه السلطة أو الحزب أو الطائفة أو المذهب الذي ساهم في تسميتهم.

إلا أن نجاح الأفرقاء السياسيين في تسمية محازبيهم أو من “يمونون عليهم” أعضاءً في المجلس الدستوري، يضرب كل الآمال في أن يؤدي هذا المجلس دوره الخطير، ويتعارض مع الأسباب التي دعت إلى إنشائه، كهيئة مستقلة من الحكماء، ويحوّله إلى أداة طيعة في يد القوى السياسية الحاكمة، وفي أحسن الحالات، إلى ساحة للصراع بين ممثلي القوى السياسية.

والسؤال الذي يفرض نفسه، هل نريد مجلساً دستورياً قادراً على القيام بدوره، أم نريده تابعاً للسلطة السياسية الحاكمة؟ فإذا كان أهل السلطة صادقين في ما يعلنون عن قيام دولة القانون والمؤسسات، عليهم إثبات ذلك بوقف صراعاتهم للسيطرة على هذا المجلس، وأن يفتشوا عن أصحاب الكفاءات والضمير الحي، المشهود لهم بتاريخ من النظافة الأخلاقية والاستقلالية، ويتوسلوا إليهم لقبول مهمة حراسة النظام الديموقراطي بتجرد وحرية كاملتين، وذلك لتفادي تحوّل هذه الهيئة القضائية الأعلى في النظام إلى دمية لأهل السلطة وضحية لصراعاتهم التي لا تتوقف.

ويكفي للتدليل على خطورة دور السياسة في تشكيل الهيئات القضائية، الحالة التي تتخبط فيها السلطة القضائية، بعد تدخل السلطة السياسية وتمنعها عن إصدار مرسوم التشكيلات القضائية، وفرضت على مجلس القضاء الأعلى تعديل مشروعه، واستبداله بتشكيلات حزبية وسياسية تخدم مصالحها، ما انعكس على سير القضاء والعدالة، وعلى قدسية رسالته وإحترامه ووقاره، وما شجّع بعض القضاة، المحميين سياسياً، على تسخير القوانين خدمة لمصالحهم أو مصالح الجهات التي عينتهم أو حمتهم. ومن هنا تكرار مطالبتنا بوجوب إعادة طرح إقتراح القانون الذي كنت تقدمت به مع مجموعة من الزملاء الإصلاحيين عام 1997، لإنشاء السلطة القضائية المستقلة، وإقراره مع التعديلات التي يراها مجلس النواب الحالي، لاقتناعي بأن استمرار هيمنة السلطة السياسية على السلطة القضائية سيؤدي إلى ضرب أسس نظامنا السياسي، وسيعرّض حقوق الناس وحرياتهم للخطر الكبير.

أما في موضوع التعيينات في الإدارات والمؤسسات العامة، فإننا نشهد، ودون استغراب، الصراع البشع لفرض المحاسيب على الإدارات والمؤسسات، بهدف السيطرة الكاملة عليها. إلا أن ما يدعو لإعلاء الصوت، الحال التي بلغناها في منح أفراد السلطة من المسيحيين الحق الحصري في اقتراح أسماء موظفي الفئة الأولى من المسيحيين، في مقابل منح أفراد السلطة المسلمين الحق الحصري في اقتراح أسماء المسلمين منهم، وكأننا في نظام كونفيديراليات طائفية، لا علاقة للواحدة بالأخرى. وكأن المواطن اللبناني غير معني إلاّ بالموظفين من طائفته، وهو ما يساهم في تحويل الإدارات والمؤسسات العامة من مؤسسات وطنية إلى مراكز إسلامية ومراكز مسيحية. وكأن لا رأي لوزير مسيحي في تعيين مدير مسلم، ولا رأي لوزير مسلم في تعيين مدير مسيحي، ما يؤكد تقاسم الدولة بين أهل السلطة على حساب المواطنية والكفاءة وحرية المعتقد السياسي، وهذا يفقد المواطن اللبناني حقه في تولي وظيفة عامة في إحدى الإدارات أو المؤسسات العامة، يتعارض مع أحكام المادة 12 من الدستور، التي تعطي “لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة…”، والمادة 7 من الدستور التي نصت على أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية…”.

فحفاظاً على كرامة اللبنانيين وحقوقهم، وهم من قيل فيهم إنهم شعب لبنان العظيم، وحماية لوجود دولة القانون والمؤسسات والكفاءة، واحتراماً لمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق وفي الاستفادة من خدمات إدارات الدولة ومؤسساتها العامة، بصرف النظر عن إنتماءاتهم المذهبية أو الحزبية، أدعو إلى العودة إلى آلية التعيينات التي أقرتها الحكومات السابقة واعتمادها لاختيار المديرين العامين لإدارات الدولة ومؤسساتها، التي يفترض أن تكون في خدمة كل اللبنانيين، وليس في خدمة الحاكمين وأتباعهم. كما أدعوا إلى إبقاء مشاركة مجلس الخدمة المدنية ووزارة شؤون التنمية الإدارية الوزير المختص بالمركز الشاغر في اختيار أكثر المرشحين كفاءة، وتقديم ثلاثة أسماء منهم للمركز الإداري، لكي يختار مجلس الوزراء أحدهم، وأفضلهم، ورفض اقتراحات تعديلها أو إلغائها من الذين أبطرتهم الظروف، فباتوا لا يشبعون، لتفادي إخضاع عمليات التعيينات للصفقات السياسية وتقاسم الإدارات كمناطق نفوذ لهم على حساب الكفاءة والجدارة ونظافة الكف. وأذكرهم إياهم بأن الشعب اللبناني هو مصدر السلطات، وأن موظفي الدولة يعملون لديه، وليس لدى أهل السلطة ولخدمتهم، بالإضافة إلى أنه هو الذي يدفع لهم رواتبهم من الضرائب التي يسددها للدولة، وليس أهل السلطة.

هذه تمنيات كل لبناني حر حريص على دولته وحقوقه في المساواة أمام القانون، فإذا لم يأخذ بها كل أهل السلطة ويرتدعوا واستمروا في غيّتهم، سيتحملون مسؤولية تدمير النظام الديموقراطي ومخالفة الدستور وتخريب السلطة القضائية وإدارات الدولة ومؤسساتها، وستكون التعيينات المقبلة بالتالي الضربة القاضية للدولة.