//Put this in the section

الساروت… يما زفيني جيتك شهيد بيوم العيد

مسعود محمد

عبد الباسط ساروت الذي فقد والده ومن ثم إخوته واحداً واحداً حتى لم يجد من يكفنه منهم، فبكته سوريا كلها، وخرجت تزفه شهيداً جنة جنة جنة سوريا يا وطنا.




إبن حي البياضة في حمص التي أحبها وكان آخر من تركها. ينتمي الى جيل أعلن إستعداده الى الإنضمام للثورة، لا بل قيادة تلك الثورة، بتغيراتها من الحالة السلمية وصولا للإنضمام الى الجيش الحر والإنتقال من الدفاع عن المرمى الى الهجومن ليسقط على المرمى الأخير على جبهة تل الملح، أصر على نقل الجرحى وإسعافهم بعد إنتهاء المعركة بنفسه، ليستهدف بقذيفة أصابته بجروح.

الساروت من مواليد العام 1992، وتنحدر عائلته من الجولان، وهو أحد نجوم كرة القدم الشباب في سورية، ولعب حارسا لفريق شباب نادي الكرامة، ومنتخب سورية للشباب، تحت سن 21 عاما، والتحق بالثورة السورية منذ بدايتها وقاد التظاهرات في حي “البياضة” الحمصي الذي نشأ فيه، وانتقل إلى أحياء أخرى وشارك في ثورتها في حي “بابا عمرو” و”الخالدية”، واشتهر في إنشاده فيها أنشودة “جنّة جنّة يا وطنا”.

إن ظهوره في حمص الى جانب الفنانة وأيقونة الثورة السورية فدوى سليمان وهو الفتى السني، وهي العلوية، دلالة بالغة الأهمية، في منطقة كانت توصف بأنها منطقة متطرفة أعني أحياء البياضة والخالدية، ليشكل ظهورهم معاً أبلغ رد على من أراد أن يشيطن الثورة، وليثبت أن هذا الحراك كان حراكاً وطنياً وسلمياً، يعنى بكل السوريين دون تمييز، ويشكل عبد الباسط حالة ثورية جذابة ونظيفة.

في بدايات الثورة رصد النظام السوري مليونين ليرة ما يقارب خمسين ألف دولار حينها كجائزة لمن يقتله، تعرض للعديد من محاولات الإغتيال، فأشعل بصوته المظاهرات وطالب بالحرية، وناجى رب العالمين، بصوت يشبه صوت البلبل بعذوبته ” يا الله عجل نصرك يا الله، يا الله ما إلنا غيرك يا الله”.

بعد سنه من الثورة داهم رجالات النظام السوري منزل عائلته بهدف إعتقاله، فقتل أخاه، عرف عبد الباسط، بشجاعته، وكان قادر على جمع المظاهرة على قلب رجل واحد، فقرر أن يرد على النظام، ويواجه ظلمه وعنفه بالسلاح، فشكل كتيبة عسكرية في بداية 2012 لقتال النظام، بعد ذلك خسر إثنين آخرين من إخوته في معركة المطاحن، وإستشهد له أخ آخر وهو يدخل الى حمص المحاصرة، وإستشهد له أخ خامس في إدلب، وفقد عبد الباسط ثلاثة من أخواله شهداء، كلهم أستشهدوا في سبيل نصرة الثورة السورية، ليلتحق بهم شهيداً وهو المقدام الشجاع الذي لم يخاف الموت.

عاش الحصار في أحياء حمص لأكثر من سنتين قبل أن يخرج في 2014 إلى ريف حمص الشمالي، ثم وصل إلى الشمال السوري وانضم إلى “جيش العزة”، وقاتل في صفوفه حتى إستشهد في المواجهات مع قوات النظام السوري. وقد حاول النظام السوري اغتياله ثلاث مرات.

كان متواضعاً، وليس متكبراً، وكان التواضع يميزه، وهو يمتلك من السمات ما يمكن أن تقول أنها جميع السمات المطلوبة في شخصية البطل الأسطوري سواء في المرويات الشعبية العربية، أو في المرويات الشعبية الغربية، عبد الباسط إمتلك أدوات خطاب بسيطة في التعامل مع الحشود الشعبية التي كانت تخرج نصرة للثورة السورية، كان يخاطب الناس من بلغة القلب، بلغتهم، بلهجته البدوية المحببة للناس. هو البطل الرياضي الذي يتسم بالبطولة فيما يتعلق بالأداء الرياضي الشعبي، وهو إبن اللعبة الأكثر شعبية (كرة القدم)، وإبن النادي الأكثر شعبية في منطقته، في حي أصلا هو حي شعبي، يجتمع أفراده بشكل يومي، كل ذلك أهله ليتقدم الصفوف، وينتقل من حي لحي مشجعاً الناس على الثورة، والمطالبة بالحرية.

لم يؤجر عبد الباسط بندقيته، لا الى دولة ولا الى تيار، رغم ما قيل عن إرتباطه ببعض الفصائل الإسلامية، كان هدفه قتال النظام،وكان ينتقل من منطقة الى أخرى حسب ظروف المعركة، ويقاتل هناك مع المقاتلين المتواجدين على أرض المعركة بغض النظر عن هويتهم وإنتمائهم، كانت الهوية الأهم بالنسبة له هويته السورية. كان مشبع فطريا بالقضايا الوطنية ومنحاز الى قضايا شعبه، ولحرية وكرامة شعبه من دون أي تحزب. ومن الجدير بالذكر أن الساروت نفى مرارًا وتكرارًا مبايعته لـ”داعش” وخليفتها، كما حارب المجموعات المسلحة لـ”جبهة النصرة”.

إلا أن ذلك لم يمنع إنزلاقه نحو خيارات محدودة، تعبر عن تشتت الثورة السورية، ونجاح النظام وقوى ظلامية تابعة له وللنظام الإيراني، وبعض الدول العربية التي خافت من نجاح ثورة الشعب السوري، وقد عبر عن ذلك الفنان سميح شقير على صفحته للتواصل الإجتماعي، بدقة وقال …

” الساروت ذلك الثائر العفوي والصادق والذي رفض الظلم وطلب الكرامة وبدأ نشاطه الثوري متظاهراً سلمياً لكنه بنفس الوقت كان فيما بعد ضحية الخيارات الضيقة المتاحة التي دفعته لحمل السلاح بعد بطش النظام ، وشجاعة الساروت التي كانت محطاً للإعجاب جرى استقطابها للأسف في مراحل من مسيرته الى جهة الرايات السوداء والحركة الجهادية تحت اكثر من مسمى ، لكني اعتقد أن وعيه الفطري ونقاؤه جعله يفترق عن الجماعات المتطرفة في مرحلة أخيرة وإن بقي مقاتلاً بحكم الخيار الوحيد الذي كان لديه ربما ، ذلك الخيار الذي من غير المتوقع انتزاعه من الكثيرين إلّا بوجود مسار سياسي ينقل البلاد الى أفق مختلف لا مكان للاستبداد فيه، أفق يحمل محاسبة كل المتورطين في الدم السوري ويُفرج عّن عشرات ألوف المعتقلين وانتقال سياسي حقيقي، ولكن مع كل تقديري لشجاعة الساروت وصدقيته فإني ارى ان اعتبار مسار تحولاته رمزاً للشباب الثائر يكتنفه الكثير من العاطفية وعدم الدقة، إن اعتباره بهذه الرمزية هو دعوة للشباب الآخرين ليأخذوا نفس الخيارات التي أخذها الساروت بينما الكل يعرف ان خياراته الفكرية ونشاطه لمرحلة ما من عمر الثورة كانت ضمن إطار ما نسميهم اليوم بقوى الثورة المضادة ذات الأجندة الدينية وهي البعيدة بأهدافها عن أهداف الثورة الاساسية التي ارادت بناء دولة  المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بل وفصل الدين عن الدولة ، ثم إن تقاطع هذان المساران في مطلب إسقاط الاستبداد لا يجعل منهما حليفين وإنما اتجاهان متباينان الى حد القطيعة والصدام .

نعم الساروت كان من أشجع الرجال ولكنه كان في العديد من خياراته رهن بساطة وعفوية تم استغلالهما في مرحلة ما من جهات لا تعبر عن التطلّعات الحقيقية للثورة”.

قبل ساعات من إصابته ظهر الساروت في مقطع مصور خلال مشاركته في معارك ريف حماة التي سيطرت فيها الفصائل على عدة قرى، كانت تحت سيطرة النظام. الساروت أكد خلال المقطع، سقوط بلدة تل ملح بيد الثوار، وأن آمالهم لن تتوقف عندها وعند كفرنبودة بل ستصل إلى حمص ودرعا حتى تحرير كافة المناطق السورية من قبضة نظام بشار الأسد وميليشياته، كما شدد في التسجيل على أن دماء أطفال معرة النعمان وكفرنبل وبقية المناطق المستهدفة مؤخرًا في إدلب لن تذهب سدى.

” مازال لدينا أناس أحياء، مازال لدينا أطفال، مازال لدينا شهداء، مازال بأيدينا سلاح، نحن مستمرون.   مازال هناك ثورة، مازال هناك حي في سوريا محرر فنحن شوكة في حلق هذا النظام وسننطلق من هذا الحي. سيطرة النظام على منطقة لا يعني إنتهاء الثورة، فهي الثورة مستمرة، ما لها حل غير النصر. أنا ما عندي أي لقب يقولون حارس الثورة هي الثورة لها حراس، يقولون منشد الثورة، الثورة لها منشدين، أنا إسمي عبد الباسط ساروت، أنا شخص من هذه الثورة ولا أحب التمجيد لأي شخص أو قائد، التمجيد للجريح، والأسير والشهيد، هؤلاء يمجدون وترفع لهم القبعة”.

رفعت لعبد الباسط ساروت كل قبعات الشعب السوري وهو الجريح ومن ثم الشهيد، “يا يماه توب جديد زفيني جيتك شهيد”. لن ننسى وصية شهيدنا “الثورة ما عنها رجوع”، يلي بيقتل شعبه خاين، وساقط، والثورة ثورة شعب وستنتصر بش