هل ينحصر التنافس على الرئاسة بين الوزير باسيل وقائد الجيش؟

سركيس نعوم – النهار

المشكلات أو بالاحرى الاختلافات داخل “البيت العوني” كثيرة وقد تكون أصبحت مزمنة. وهذا أمر يعرفه اللبنانيون من خلال وسائل الاعلام التقليدية كما الحديثة. فمن جهة تضع الكيمياء المختلفة والمصالح الرئيس الذي اختاره المؤسس ثم رئيس الدولة العماد ميشال عون لـ”التيار الوطني الحر” وزير الخارجية جبران باسيل في مواجهة مستمرة مع ابنة ولي نعمته في السياسة المستشارة الأولى له في القصر الجمهوري السيدة ميراي. ومن جهة أخرى تضع الكيمياء والمصالح أيضاً نائب كسروان العميد المتقاعد شامل روكز زوج ابنة الرئيس نفسه السيدة كارولين في مواجهة مع باسيل. علماً أنها بدأت بين الاثنين قبل تقاعد الأول وبوقت طويل، لأن الثاني كان يظن أن انتقال “عديله” الى الحياة المدنية ثم الحياة السياسية قد يجعله متقدماً عليه عند “عمّ” الاثنين لأنه “متخرج” مثله من المؤسسة العسكرية، ولأن سمعته داخلها كانت جيدة. ومن شأن ذلك مساعدته على النجاح في تعاطي الشأن العام، وعلى الطموح الى مواقع رئيسية ورئاسية. لهذا السبب ربما حاول باسيل المستحيل لاقناع حلفائه والمنافسين والاخصام بقبول تعيين روكز قائداً للجيش معتبراً أنه بذلك يبعده ولو الى حين عن منافسته. ومن جهة أخيرة تضع المصالح عدداً من سياسيي “التيار الوطني الحر” وناشطيه في مواجهة رئيسهم حزبياً الذي لا حد لطموحاته على تنوعها، ولا سيما بعدما نجح في “الاستحواذ” على عقل مؤسس “التيار” ورئيس الدولة، وفي جعل نفسه الأقرب اليه حتى من الذين يمتون اليه بصلة نسب. وهذا ما دفعهم ولا يزال الى محاولة التميّز عنه حيناً بالاعتدال الذي لا يعرفه هو أو لم يمارسه سواء في القول أو في الفعل، أو بالعجز عن كتم “السرور” بالمطبات التي يوقع نفسه فيها أحياناً كثيرة. لكنهم دائماً يحفظون “خط الرجعة” كما يقال بالتزام السياسة التي يقررها بموافقة مؤسسته الحزبية وبالدفاع عنها ولكن بهدوء ومن غير انفعال وربما أحياناً قليلة من غير حماس.




لكن تضارب المصالح والكيمياء لم يمنع باسيل من الاحتفاظ المشار اليه أعلاه بقلب عمّه الرئيس عون وقلبه. كما لم يمنعه من تقوية وضعه في معسكرات سياسية أخرى في لبنان لها حيثيتها وأهميتها. فمع رئيس “تيار المستقبل” ورئيس الحكومة سعد الحريري صارت العلاقة متينة جداً بحيث يخيّل المتابعين أنهما صارا واحداً، وذلك رغم التباينات التي تنشأ بينهما كما حصل في الجلسات الـ19 لمناقشة مشروع قانون الموازنة في مجلس الوزراء، والتي تثير امتعاض الشعبية السنية للحريري. ويعود ذلك الى معرفة الأخير حقيقة وضعه السياسي وغير السياسي والى اتفاقه مع باسيل على قضايا عدّة متنوعة، والى تفهمه ربما حرصه على إظهار أولويته الزعاماتية في الساحة المسيحية التي يتنافس فيها وعليها “ديوك” المسيحيين والطامحون الى أن يصبحوا “ديوكاً” أو أن يعودوا “ديوكاً”. ومع “حزب الله”، الذي يتابع عن كثب وبكثير من الدقة تحرك حليفه باسيل في اتجاهات عدة رغم تناقضها بل بسبب تناقضها، العلاقة جيدة. لكن “الحزب” لا يعطي شيكاً على بياض لأحد وهو حريص على الاحتفاظ بحليفه المسيحي القوي. لكنه حريص في الوقت نفسه على عدم تمكينه من استعادة ماضي ما قبل الحرب وتالياً من الاسهام بمعرفة منه أو من دون معرفة في إلحاق الأذى به وبدور جمهوره بل “شعبه” في البلاد بعد عقود من “الحرمان”. ومع “الحزب” أيضاً تبدو علاقة الحريري جيدة ويساهم في إبقائها كذلك باسيل، اضافة الى عوامل أخرى منها اقتناع “الحزب” بأن الحريري لم يعد يشكّل أي خطر عليه، وأنه لا يزال قادراً على تأمين بعض “الفوائد” له. وعندما تنتفي هذه يمكن التفكير في حكومة جديدة بل في رئيس جديد لها.

هل يعني ذلك أن الساحة اللبنانية وخصوصاً المسيحية قد خلت من المنافسين الجديّين للوزير باسيل على رئاسة الجمهورية؟ الجواب عن هذا السؤال هو كلّا. فالنائب سليمان فرنجيه لا يزال منافساً قوياً له. وهو مثله حليف لـ”حزب الله” وسوريا لا بل هو أعرق منه في هذا الأمر وأقدم، ولم يرتكب “الكمّ الكبير” من الأخطاء المهمة. خلافاً لباسيل الذي يبقيهما حذرين في استمرار ومتابعين لتحركاته الكثيرة خوفاً من أي مفاجأة. لكن باسيل استخدم ويستخدم كل الظروف المستجدة والتي قد تستجد من أجل إقناع “الحزب” بأنه الأفضل له وللبلاد. علماً أنه فعل ذلك ويفعله أيضاً مع الجهات التي تبدو على توافق مع “الحزب” سواء في المنطقة أو الخارج. الى ذلك هناك رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع الأكثر شعبية مسيحياً من فرنجية، والقريب من “التيار العوني” من حيث الشعبية، والمقبول من جهات اسلامية سنية، وصاحب العلاقات مع جهات عربية ودولية كانت دائماً صاحبة دور بل أدوار في لبنان. لكن ذلك كلّه على أهميته لا يجعل جعجع من أصحاب الحظوظ المهمة في دخول قصر بعبدا رئيساً. طبعاً هناك دائماً “مرشحون” للرئاسة من سياسيين غير جماهيريين يتمتع بعضهم بالصفات والمؤهلات الأساسية التي يفترض توافرها في رئيس جمهورية لبنان. لكن حظوظهم لا تزال غير معروفة لأن الاستحقاق لا يزال بعيداً رسمياً رغم أن دولاً كبرى سعت وتسعى الى التواصل مع الذين منهم تعتبرهم كفوئين وصالحين لهذا الموقع في هذه المرحلة من تاريخ لبنان. وهناك دائماً أيضاً مرشح جدّي للرئاسة أو يعتبره الناس مرشحاً جدياً هو الذي يكون قائداً للمؤسسة العسكرية في حينه. ورغم أن العماد جوزف عون شاغل الموقع المذكور في هذه المرحلة لم يظهر منه أي شيء ولم يقم بأي تحرك ولم يسمع منه أحد كلمة يشتم منها أنه مرشح، وأنه يبذل المساعي لذلك مع الناخبين المحليين الكبار وأولهم وربما أقواهم “حزب الله”، ومع الناخبين الاقليميين الكبار وأقواهم إيران والمملكة العربية السعودية، كما مع الناخبين الدوليين الكبار وأولهم أميركا ثم تأتي بعدها دول كبرى أخرى أبرزها روسيا وفرنسا، رغم ذلك كله فإن الدوائر السياسية اللبنانية والدوائر الديبلوماسية في بيروت وعدد من عواصم القرار في المنطقة والعالم تميل الى الاعتقاد أن التنافس الرئاسي سينحصر عندما يحين أوانه الدستوري أو أوانه الفجائي بين الوزير جبران باسيل والقائد العماد جوزف عون.

ما هي الأسباب التي تدفع الى اعتقاد من هذا النوع؟

تتلخص الأسباب في المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان اليوم ولا سيما على الصعد المعيشية والحياتية والاقتصادية والنقدية. إذ رغم التطمينات السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية، التي يقدمها رئيس الدولة والحكومة ومعهما حاكم مصرف لبنان فضلاً عن وزراء ونواب وهيئات اقتصادية ومصرفية، يشعر اللبنانيون بالقلق بل بالخوف ولا سيما بعدما بدأ هؤلاء كلهم يتحدثون عن اهتراء الدولة ومؤسساتها، وعن الفساد المستشري فيها، وعن الحاجة الى اصلاحها والعجز عن ذلك لأسباب معروفة، وعن تهديد المجتمع الدولي لبنان بعدم مساعدته إذا لم يتحقق إصلاح ما وعن احتمال تدهور سعر العملة الوطنية مقارنة بالدولار. هذا فضلاً عن الاجراءات التي اتخذتها مصارف عدة من دون صدور تعاميم تسمح لها بذلك من مصرف لبنان، وإن ربما بتعميم شفهي منه، والتي قيّدت حرية اللبنانيين وغيرهم في القيام بكل العمليات القانونية التي كانوا يقومون بها. وفضلاً أيضاً عن رفع تكاليف عدد من العمليات فبدت المصارف مثل تجار المفرق الكبار والصغار الذين يزيدون الأسعار قبل اقرار الزيادات على الرسوم والضرائب رسمياً ويبقونها مرتفعة رغم انتفاء أسباب رفعها.

هذا الوضع دفع فئات من اللبنانيين شعرت أنها مستهدفة من الحكومة الى النزول الى الشارع رغم تفكّكها السياسي والطائفي والمذهبي. ولعل أخطر تحرك كان الذي قام به متقاعدو الجيش اللبناني ولا سيما عندما بدا أن الاتجاه يميل الى تحميله مسؤولية واسعة عن العجز بـ”التدبير رقم 3″، والفوائد المالية والحوافز المتنوعة لجنوده وضباطه عاملين ومتقاعدين. وتنبع هذه الخطورة من أن الجيش حاجة للبنان وضمان ومن أن مسّه وخفض الرواتب فيه والحوافز سينعكس سلباً على أدائه بل ربما يدفعه الى التحرك مثلما تحرك متقاعدوه. علماً أن البعض اعتبر في حينه أن التحرّك كان “بقبة باط” من الجيش وربما من غيره. لكن علماً أيضاً أن المؤسسة العسكرية كانت منزعجة من الطريقة التي تعامل بها السياسيون معها وقد عبّر عن ذلك في سطر قائدها قبل مدة قصيرة. وكرر التعبير في أمر اليوم لمناسبة عيد التحرير اذ قال: “أيها العسكريون، في زمن ندر فيه الوفاء، وتحولت التضحية من أجل الوطن تضحية بالوطن، ما زلتم أوفياء للقسم رغم ما تتعرض له المؤسسة العسكرية من تنكر للوعود، تتمسكون بشرف أداء الواجب، وتقدمون الشهيد تلو الشهيد والجريح تلو الجريح بعزيمة لا تلين، مدركين أنكم بذلك تحفظون العهد وتصونون أمن بلدنا واقتصاده وسلمه الأهلي وصيغة عيشه المشترك. تضحيات تؤكد بما لا يقبل الشك أن أرواح الشهداء لا تقدر بقيمة مادية، وكرامة العسكريين وعائلاتهم لا تقاس بثمن”.

هذا الموضوع لم ينته بعد. فالوزير باسيل يبدو مصمماً على متابعة المطالبة بمعالجة “التدبير رقم 3” وغيره. والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أكد قبل أيام أن الموازنة مسّت الفقراء برسومها وأن “الحزب” سيعترض على ذلك في مجلس النواب وبمؤتمرات صحافية. فهل ينضم أيضاً الى الشارع احتجاجاً أم يشجع الآخرين على النزول اليه؟

في أي حال يخشى الكثيرون انفلات الشارع وسيادة الفوضى فيه، ويخشون أيضاً أن يدفع ذلك الجيش الى التحرك لفرض الأمن. فهل يتحرك بمفرده أم بأمر من الحكومة؟ وهل بنيته الاجتماعية – الطائفية – المذهبية تسمح له بذلك؟ وإلى أي مدى يستطيع الوصول؟ وهل يعتبر صاحب القوة الأكبر سياسياً وعسكرياً في البلاد اي “حزب الله” تحركاً كهذا معادياً له؟ وهل يقف في وجهه؟ أم يسهل له أموره؟

والحقيقة لا أجوبة عند أحد على ذلك. لكن هناك أموراً عدة لا بد من الاشارة اليها كي يأخذها المعنيون رسمياً وشعبياً في الاعتبار عند وصول البلاد الى مرحلة خطرة كهذا. أولاها أن “حزب الله” يشعر ببعض القلق من الجيش، بسبب محاولة “أمركته” بالمساعدات التي تقدمها له أميركا والتدريبات التي توفرها لعناصره والمناقلات التي تجري داخله. لكنه ليس خائفاً منه لأن له قاعدة شعبية وازنة فيه. واذا لمس استهدافاً له منه أو تأكد أن واشنطن تتحرك منفردة في لبنان فإنه سيتحرك ولا بد أن يؤثر ذلك على وحدة الجيش. ويبدو أنه لم يصل الى حال كهذه رغم أن أميركا تبني سفارة ضخمة على أرضه ورغم أن قاعدة حامات العسكرية صارت أشبه بقاعدة أميركية وغربية.

وثانيها أن الجيش يعرف أن أي تحرك له غير منسق مع “الحزب” أو من دون علمه لن يحالفه النجاح فضلاً عن أنه سيهدد وحدة البلاد والمؤسسة ويوقع الشعب في الفوضى. وثالثها أن “حزب الله” يعرف أن الامساك بأمن لبنان يحتاج الى موافقته والى موافقة أميركا أيضاً. ورابعها أن أميركا تعرف أن “الحزب” مع الجيش يضمنان الهدوء على الحدود الجنوبية الشرقية مع إسرائيل، وأنهما يضمنان معاً أيضاً الحدود اللبنانية – السورية. وهذا أمر مهم لـ”الحزب” وشعبه وللبنانيين آخرين لان تركها معابر للتواصل بين نازحي سوريا الى لبنان والمتشددين الاسلاميين السوريين سيكون مؤذياً للجميع في لبنان. وهذا “همّ” لم يكن مطروحاً أيام نظام الأسد. لكنه سيطرح بعد ربحه معارك وعجزه حتى الآن عن ربح الحرب وانهائها لمصلحة استمراره كما كان أو مجمّلاً بعض الشيء.

وخامسها أن أميركا ربما تدرك أن إخراج إيران العسكرية من سوريا لا الاقتصادية ومن شرق المتوسط والتفاهم معها بعد وقت طويل على دور مهم غير آحادي لها في المنطقة يجعلانها في حاجة الى جائزة ترضية في لبنان.

وهذه الجائزة يوفرها “حزب الله” بتحوله الرقم الأصعب في الدولة اللبنانية مع احترامه للتنوع القائم فيه.