//Put this in the section

”مصالحة” باسيل – كرامي… ماذا حملت في طيّاتها ومَن تخدم؟

ابراهيم بيرم – النهار

فجأة كأن شيئاً لم يكن بين رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل ورئيس “تيار الكرامة” النائب فيصل كرامي. فاللقاء الذي جمعهما على إفطار رمضاني قبل بضعة ايام في البترون، وضع حداً لتباين بين الرجلين استمر طويلا وبلغ احيانا حد القطيعة، علماً انه يُفترض، مبدئياً، انهما يدوران في فلك سياسي واحد ويجتمعان على العديد من القواسم السياسية المشتركة على مستوى الخيارات الداخلية والاقليمية على السواء.




إذاً كان الافطار الرمضاني ترجمة عملية لقرار اتخذه الطرفان يقضي بطيّ صفحة تولّت وفتح صفحة جديدة. ولأن المناسبة رمضانية تظللها الدعوة الى تبادل الصفح والغفران ليعفو الله عن كل ما سلف، فالواضح ان الرجلين قررا التسامح ونسيان ما حصل من دون ان يتوقفا كثيرا عند مَن المبادِر بالدعوة الى التلاقي.

ابان مخاض تأليف الحكومة الحالية، تبدَّت ولا ريب أوجه القطيعة بأوضح صورها. فالنائب كرامي وأعضاء “اللقاء التشاوري” التقوا في اطار قرارهم بالتمثّل في الحكومة العتيدة ليثبتوا لمن يعنيهم الامر انهم عبارة عن قوة لها حيثيتها ووزنها على الساحة السنية بما يتيح لها مناهضة قوة “تيار المستقبل” وتوجهاته السياسية، ويمكّنها من فرض حضورها المميز الذي ينهي قبضة الحريرية السياسية واحتكارها للقرار السياسي للطائفة السنية.

في اسابيع تلك الازمة ذُكر ان دوائر قصر الرئاسة الاولى في بعبدا رفضت تحديد موعد للاعضاء الستة في “اللقاء التشاوري” مع الرئيس العماد ميشال عون، وذُكر ايضا ان الامر تم بايحاء خفيّ من الوزير باسيل الذي لم يكن يومها يكنّ الود لوريث الزعامة الكرامية، لانه بنظره امتداد لخصمه السياسي الزعيم الشمالي سليمان فرنجيه انطلاقا من العلاقة التاريخية المميزة التي تجمع البيتين السياسيين الشماليين.

في حينه لم يقصّر بعض اعضاء “اللقاء التشاوري”، ولاسيما النائب جهاد الصمد، في توجيه سهام الانتقاد العلنية الى نهج الوزير باسيل “الاستئثاري” والذي يتجاوز من خلال ممارسات عملية صلاحيات الرئاسة الثالثة ودورها وموقعها تحت شعارات متعددة.

ومما زاد في العلاقة توتراً وفي المشهد احتقاناً، محاولة رئيس “التيار البرتقالي” تمثيل “اللقاء التشاوري” بشخصية شمالية تُحسب شكلاً على “اللقاء” ولكن تبقى بمثابة امانة في عِداد تكتله النيابي – الوزاري (تكتل “لبنان القوي”)، فما كان من “اللقاء” إلا ان رفض رفضاً قاطعاً هذا الأمر بعدما وصف هذا التدبير بأنه “خدعة”.

وللحظة استشعر كرامي ورفاقه في “اللقاء” ان باسيل “يحارب” تمثيل “اللقاء التشاوري” في الحكومة بالمستوى نفسه الذي يحارب فيه الرئيس سعد الحريري وإن كانت منطلقات حساباتهما مختلفة.

وفي حينه أيضاً، وبعد جهد استثنائي بفضل تدخّل حليف الطرفين “حزب الله”، انتهى التباين الى تسوية سياسية حملت نجل الوزير السابق والسياسي المخضرم عبد الرحيم مراد، حسن مراد، الى سدة الوزارة حاملاً معه مواصفات ومقومات تؤهله ليكون محسوباً على كلا الطرفين، اي “اللقاء التشاوري” من جهة وتكتل “لبنان القوي” من جهة اخرى. وفي النهاية كانت “مَونة” النائب مراد ورغبة “حزب الله” والمزاج السياسي العام في انهاء ازمة تأخر تأليف الحكومة بعدما تعدَّت كل المألوف واوشكت ان تضرب رقماً غير مسبوق. كلها عوامل تسوية سياسية لم تنل الموافقة الاكيدة من جميع المعنيين ومن بينهم النائب كرامي، لكنهم قبلوا على مضض وتحت سيف الامر الواقع.

لكن ذلك، على اهميته، لم يكن كفيلاً باعادة وصل ما انقطع بين الطرفين وظلت الامور على فتورها، الى ان كان نبأ افطار البترون عنصر مفاجأة اظهر لاحقا ان هناك من مهَّد له خفية ونسج خيوطه بعيدا من الاضواء انطلاقا من قناعة تترسخ يوما بعد يوم بان هناك مرحلة جديدة.

وعليه، فان السؤال المطروح هو: ما الذي حصل ليتم اللقاء؟ وبمعنى ادق مَن تنازل لمن؟ واستطرادا ماذا بعد هذه المحطة؟

في المبدأ، وفق مصادر الطرفين، لم يتحول التباين بين الجانبين منازلة مفتوحة ومكشوفة أخذت مداها وتفاعلت الى اقصى الحدود، لكنه كان بالتأكيد “علامة فارقة” سلبية تُحسب على الطرفين معا. فقد بدا الوزير باسيل وكأنه منحاز الى الخيارات السياسية لـ”حليفه” الرئيس الحريري، وهو امر مناف لمنطق السياسي العارف تماما بعمق الحسابات السياسية وجوهرها من جهة، ولسياسي مخضرم لا يتوانى عن تقديم نفسه كساعٍ الى سدة الرئاسة الاولى عند شغورها.

الى ذلك، لم يعد خافيا ان باسيل بدا اخيرا وكأنه يوسّع بيكار خصومه ويكبّر دائرة اعدائه السياسيين من دون مقابل، في وقت يفترض فيه العكس تماما بفعل الاستفادة من مكاسب تياره السياسي في الدولة من جهة، ومن صدارة التمثيل المسيحي من جهة اخرى.

واذا كان صار لزاما على الوزير باسيل ان يبدأ زمن اعادة النظر بخياراته ورهاناته السياسية بكل اريحية، فان المنطق السياسي للمرحلة الحاضرة يفرض ايضا على شخصية مثل كرامي ان يشرع ايضا في مد الجسور وقنوات الاتصال في اكثر من اتجاه، لكي لا يبقى محاصرا نفسه في زاوية معيّنة وتموضع سياسي محدود، خصوصا ان نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة في ايار الماضي في عاصمة الشمال اثبتت انه قوة ثالثة اساسية في طرابلس، فضلاً عن ادراك الجميع ان مرحلة “الحصار السياسي” الذي فرض على بيته السياسي في الاعوام العشرة الماضية قد انتهت لينفتح الافق على خريطة سياسية مختلفة وواعدة بالنسبة اليه.

وعليه، استنتاجاً، فان “المصالحة البترونية” تلك أمر يخدم طرفَيها وينمّ عن توجه انفتاحي جديد ستكون له ثماره المستقبلية.