//Put this in the section //Vbout Automation

موازنة الـ”نصف عام”: الحكومة تعد بما لا تلتزمه

سابين عويس – النهار

أما وقد وصل مشروع قانون الموازنة العامة لسنة ٢٠١٩ الى قصر بعبدا، حيث يفترض ان تخوض مخاضها الاخير قبل الولادة، تمهيدا لإحالتها على المجلس النيابي حيث تنتظرها جلجلة جديدة من البحث والتمحيص، يترقب الوسط الاقتصادي الصيغة النهائية للمشروع من أجل تقويم مفاعيله على الاقتصاد من منطلقين، الاول مدى قدرته على ضخ جرعة اوكسيجين في جسم الاقتصاد العليل، والثاني مدى قدرته على إقناع المجتمع الدولي بفاعلية الإجراءات المتخذة من أجل كسب ثقته وتحصيل الأموال المعقودة للبرنامج الاستثماري للحكومة.




لم تساعد الجلسات الحكومية العشرون، بما حملته في طياتها من مناقشات غابت عنها الرؤية الموحدة داخل الحكومة حيال توجهاتها الاقتصادية والمالية والإنمائية، على تعزيز الثقة المحلية والخارجية بها او بقدرتها على تنفيذ ما وعدت به. فالتباينات التي سادت الجلسات الحكومية وعطلت اقرار الموازنة بالسرعة المطلوبة نتيجة السقوف العالية التي وعدت بها، إن على صعيد اتخاذ إجراءات مؤلمة في القطاع العام لخفض الانفاق، او على صعيد خفض العجز الى مستويات ترضي توصيات مؤتمر “سيدر”، لم تعط إشارات إيجابية حول جدية الحكومة، بل أغرقتها في الشكوك في حظوظ نجاحها في التنفيذ. وهذا ربما ما دفع رئيسها الى الاعتصام بالصمت وعدم المشاركة في المزايدات الحاصلة حول من هو الفريق الاقوى والقادر على فرض إجراءات او مقاربات تدفع نحو خفض العجز. علما ان ثمة شكوكا كبيرة تحوط إمكان التزام خفض العجز الى مستوى ٧،٥ في المئة، او إمكان السير بالإجراءات الآيلة الى تحقيق ذلك.

لا يرمي هذا الكلام الى التشكيك في الإجراءات الموضوعة، على ضآلتها، او في نية الحكومة السير بها، وانما الى تسليط الضوء على العقبات التي تعترض ذلك، والتي تجعل من نسبة العجز المقدرة وعدا غير قابل للتنفيذ، ما لم تشهد البلاد تبدلا جذريا في مناخها العام يستعيد ثقة المستثمرين ويطلق العجلة الاقتصادية بما يعيدها الى مسار النمو المستدام.

موازنة ٢٠١٩ التي تنتقل اعتبارا من اليوم الى مشرحة لجنة المال والموازنة، ليست عمليا الا موازنة الـ”نصف عام”، بما ان خمسة اشهر من السنة انقضت وسينقضي الشهر السادس قبل ان تخرج الى التنفيذ. وهذا يعني ان الانفاق العام بقي متفلتا طيلة هذه الفترة قبل ان يبدأ العمل بالإجراءات التقشفية الموعودة (على مستوى الوزارات والادارات العامة). أما الإجراءات الضريبية والرسوم، فليس أكيدا نجاح الحكومة في تحصيلها، خصوصا ان المحقق غالبا ما يأتي دون التقديرات المتوقعة. وقد وقعت الحكومة في موازنة ٢٠١٨ في هذا الخطأ بحيث جاءت تقديراتها لكلفة سلسلة الرتب والرواتب أقل بكثير مما هي، فيما جاءت التقديرات المتوقعة من زيادة الضريبة على القيمة المُضافة او الاتصالات اقل. وهكذا جاءت نسبة العجز التي يتوقع ان تبلغ نحو ١١ في المئة اعلى بكثير من النسبة المقدرة بـ٨،٥ في المئة، متجاوزة بذلك التزام لبنان امام مؤتمر “سيدر” بالخفض التدريجي بنسبة واحد في المئة سنويا على مدى خمس سنوات تمهيدا لخفض العجز بنسبة ٥ في المئة.

من الواضح أن جل انجاز الحكومة تمثل في شراء المزيد من الوقت من دون الولوج الى المعالجات الجذرية. ومن الواضح كذلك ان التعويل الحقيقي على تجاوز قطوع الانهيار يرتكز على القطاع المصرفي وعلى مساهمته بالاتفاق مع المصرف المركزي على الاكتتاب بإصدارات خاصة بقيمة ١٢ مليار ليرة، اي ما يعادل ٨ مليارات دولار بفائدة واحد في المئة، بما يسهم في خفض كلفة الدين العام.

أما التعويل الاخير فهو على تفهم المجتمع الدولي، على قاعدة أن لبنان التزم إصلاح قطاع الكهرباء ووضع موازنة تقشفية، وقد فعل. ولكن ماذا عن التنفيذ، وهل سيتفهم تأخره المانحون، خصوصا ان رسالتهم واضحة الى السلطات اللبنانية: لا شيكات على بياض!