مسلسل «دقيقة صمت» يزعج السلطات بسوريا، والمسؤولون عنه يتنصلون منه

لم يكن الكاتب السوري، سامر رضوان، قد بالغ عندما قال إن مسلسل «دقيقة صمت» الذي كتبه والذي تبثه قنوات عربية عدة، سيكون «طبق رمضان» للسوريين، بشارعيه الموالي لنظام بشار الأسد والمعارض له، لا سيما وأن المسلسل بدا أن النظام قد ندم على السماح بتصويره داخل سوريا.

ومنذ بث الحلقات الأولى للمسلسل والجدل كان مصاحباً له، لكن كلما تصاعدت أحداث القصة المريبة التي تعكس سلطة أجهزة النظام، ومدى تحكمها في الحياة المعيشية للسوريين، زادت معها الآراء التي أيدت ما عكسه المسلسل من واقع الحياة في سوريا، والآراء التي رأت أن المسلسل «موجه ضد الدولة».




وينطلق المسلسل من فكرة أن المستحيل في هذه الحياة يمكن أن يصبح حقيقة عندما تتدخل أجهزة الدولة، فكيف لرجلين محكوم عليهما بالإعدام، وقد أُخبر معارفهم بأنهم ماتوا، بل وتم بناء قبر لأحدهم، أن يعود إلى مسقط رأسه، وتحويله من مُدان إلى رجل «له كرامات دينية» وكل ذلك بتدبير من إدارات السجون في سوريا، وضباط كبار فيها.

وتدور قصة المسلسل حول «أمير ناصر» الذي أدى دوره، عابد فهد، و»أدهم منصور» الذي مثّل دوره الممثل اللبناني فادي أبو سمرا، وقد حكما عليهما بالإعدام، وفي ساعات الفجر الأولى من أحد الأيام، يقدم مدير السجن بشكل فجائي لضباطه قراراً سريعاً بتنفيذ الحكم.

وهنا تبدأ أحداث غريبة بالظهور، أولها إحراق مهجعاً للمساجين، وثانيها تعيين مدير جديد للسجن، لنكتشف بعدها أن هذه الأحداث، ما هي إلا توطئة لتهريب المحكومين إلى خارج السجن، بوساطة سيارة المدير الجديد، وإعدام شخصين آخرين نيابة عنهما، وتبدأ بعدها سلسلة الأحداث بالتطور.

الجميع يتنصل من المسلسل

وفي سوريا يفرض النظام رقابة على المسلسلات التي تصور في المناطق التي يسيطر عليها، وتخضع نصوص المسلسلات لقراءة وتدقيق شديدين قبل تصويرها، وكثيراً ما كان التعديل أو الحذف يطال المسلسلات حتى تنال رضى السلطة، لكن ما حصل مع «دقيقة صمت» أشعل جدلاً كبيراً، وتبادل في الاتهامات، وأصبح المسؤولون عن تصوير وإنتاج المسلسل والموافقة على بثه يتنصلون منه.

وكان كاتب المسلسل رضوان قد قال في مقابلة مع قناة «الجديد» اللبنانية، يوم 23 مايو/أيار الجاري، إن «مسلسل دقيقة صمت، هو صرخة احتجاج في وجه السلطة التي لا تستحق هذا الشارع».

وأضاف بأن المسلسل هو «ملك للسوريين بالشارع الموالي والمعارض»، وفي إجابته على سؤال حول الرقابة في سوريا، قال: «يبدو أن النظام أعاد إنتاج مجموعة من القوانين التي تقول إن الأسلحة والمجتمع الدولي لم تؤثر في خسارتي لشارعي، ماذا يؤثر عمل درامي؟».

وبعد هذا الرد وردود الأفعال الكبيرة على المسلسل، ردّت في البداية الشركتان المنتجتان للعمل، «صباح إخوان»، و»إيبلا»، وقالتا في بيان لهما، اليوم السبت، وبدا أنهما تتنصلان من الضجة التي أحدثها المسلسل وتصريحات رضوان، وقالت إنهما «ستقطعان علاقتهما بسامر رضوان بعد تصريحاته الأخيرة».

وجاء في البيان أن الشركتين «اطلعتا على موقِفِ الكاتب سامر رضوان ووجهةِ نظرِه الشخصية في مسلسل دقيقة صمت»، مضيفاً: «ينأى فريقُ العمل وشركتا إيبلا وصبّاح إخوان بأنفسهم عن ما ورد على لسان الكاتب سامر رضوان وتؤكد الجهتان المنتجتان أن إطار المسلسل دراميٌّ بحت وتوظيفه سياسياً لا يعبّر عن موقفهما بأي شكل من الأشكال».

ورأت الشركتان أن مسلسل «دقيقة صمت ليس عملاً وثائقياً وقد تم تصويره في سوريا وساهمت الجهات الرسمية مشكورة بتسهيل التصوير والدخول إلى مراكز التوقيف والسجون لإعطاء العمل بعده الدرامي الموضوعي المطلوب».

بيان يتناقض مع وزارة الإعلام

وشددت الشركتان على أن هذا العمل كسائر الأعمال الدرامية، حصل على التصريحات اللازمة من الجهات الفنية المسؤولة في سوريا، وتوعدتا بأنهما ستقومان «باتخاذ ما هو مناسب من إجراءات للنأي بالنفس عن التصريحات الشخصية والسياسية لرضوان بما يضمن القيمة والبعد الفنيّ للعمل ويحافظ على صورتهما وصورة نجوم العمل وطاقمه المهنية والمحترفة»، بحسب تعبيرها.

ويتنافى تأكيد الشركتين بأن العمل حصل على الموافقات اللازمة، مع البيان الذي أصدرته وزارة الإعلام السورية في وقت سابق من اليوم السبت، والتي تنصلت هي الأخرى، وتحدثت عن «خديعة» حصلت في مسلسل «دقيقة صمت».

وقالت الوزارة في بيان لها، إن «دقيقة صمت حصل كغيره من الأعمال على موافقة مشروطة للنص قبل البدء بالتصوير».

وأشارت إلى أنه جاء في الموافقة حرفياً: «إن لجنة القراءة غير مسؤولة عن كل ما يمكن ترميزه أو إسقاطه لاحقاً خلال تنفيذ هذا العمل، كما أنّها تُحمّل أصحاب العمل، والقائمين عليه مسؤولية إظهار تصرُّفات المسؤولين الفاسدين الذين تحدَّث عنهم النص بوصفه سلوكاً فردياً وشخصياً، لا يمثّلون فيه مهمة المؤسسات التي ينتمون إليها، وإنَّما تشكّل هذه التصرفات وهؤلاء الأفراد عدواً للدولة الوطنية ومؤسساتها كافة».

واتهمت الوزارة الشركة المنتجة بأنها لم تلتزم بما جاء في سياق الموافقة، و»بما تحتم الإجراءات المعمول بها في الجمهورية العربية السورية بإعادة الشركة المنتجة العمل المصور للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لعرضه على لجان المشاهدة للتأكد من الالتزام بالملاحظات التي وضعت عندما تم الحصول على موافقة النص المبدئية».

وأضافت: «عندها تُمنح الشركة المنتجة موافقة العرض والتصدير، أي أن الموافقة الأولية لا تعني شيئاً قبل أن يتم الحصول على الموافقة بعد المشاهدة وهذا ما لم تحصل عليه أصلاً».

وجددت الوزارة اتهامها للشركة وقالت إنها «قامت بتهريب المادة المنتجة من أراضي الجمهورية العربية السورية وعرضها على قنواتٍ عربية، الأمر الذي يُعتبر سرقةً واحتيالاً موصوفين وخرقاً سافراً للأنظمة النافذة والآليات المتبعة في عملية الإنتاج والتسويق الدرامي».

وأوضح بيان الوزارة أن «الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون قامت بوقت سابق بمراسلة الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية الموجبة، علماً أن الهيئة رفعت ادعاءها للجهات القضائية بعد أيام قليلة من بدء عرض المسلسل دون الحصول على الموافقات اللازمة».

وعاد بيان الوزارة ليتنصل مرة أخرى من مسؤوليته عن ظهور العمل، وقال: إن «النص المقدّم أصولاً إلى الهيئة يتضمن تغيراً جذرياً بمجريات الأحداث خلال الثلث الأخير من العمل والمتمثل بتكريس هيبة الدولة وقدرتها على المحاسبة عبر إجراءات وبتوجيه من القيادة العليا بتوقيف كافة المتورطين ممن خانوا تكليفهم الوظيفي الرسمي واستخدموا نفوذهم لمصالحهم الشخصية».

وأعادت الوزارة التذكير بأن الكاتب سامر رضوان مطلوب لدى السلطات في سوريا، بتهمة «الخطف والسرقة وليس كما يحاول الترويج بأنه مطلوب لأسباب فكرية»، بحسب قولها.

اتهامات لسامر رضوان

وذكرت وسائل إعلام موالية للنظام في سوريا، أن مسلسل «دقيقة صمت» وصل النقاش به إلى «مجلس الشعب» الذي هاجم المسلسل، ونقل موقع «صاحبة الجلالة» عن النائب والمخرج السوري، وليد درويش، وصفه لـ رضوان» بـ»العميل».

وقال إنه «سيطالب تحت القبة بمحاسبة كل من ساهم بمرور هذا العمل وخصوصاً الدور الرقابي المعني بهذا الأمر في ضوء ادعاء الرقابة عدم مرور النص الفني عليها إذاً كيف تم تصوير هذا العمل ومن هو الشخص الذي أنجزه؟».

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، طالب النائب العام في ريف دمشق، القاضي نور الحسن، الجهاز القضائي في سوريا، بالتحقيق مع رضوان بعدما وجه له تهمتي «النيل من هيبة الدولة، والتحريض على العصيان المسلح».

ونشر رضوان على صفحته في موقع «فيسبوك» حينها، صورة لقرار النائب العام، ولم يتضمن قرار النائب العام أسباب التهم الموجهة إلى رضوان، إلا أن تهمتي «النيل من هيبة الدولة، والعصيان المسلح» تُعدان رائجتين في سوريا بشكل كبير منذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011، ويوجههما النظام للأشخاص الذين ينتقدونه.

ويُعد رضوان أحد أشهر الكُتّاب في سوريا، ومن أبرز الأعمال التي كتبها، «الولادة من الخاصرة» الذي تحدث عن الإجراءات القمعية التي يتبعها نظام الأسد.

وفي العام 2013 اعتقل النظام رضوان عند المعبر الحدودي بين سوريا ولبنان، أثناء توجهه إلى دمشق عائداً من بيروت، وحينها كان رضوان يصور الجزء الثالث من مسلسل «الولادة من الخاصرة» الذي حَمَل عنوان «منبر الموتى»، ويُعتقد أن المسلسل كان سبباً في اعتقاله.

وكان رضوان قد اعتبر اقتراح الرقابة السورية بتأجيل تصوير «منبر الموتى» منعاً بصيغة طلب التأجيل، واستغرب في تصريحات حينها فكرة منع النص من التصوير، ووصفها بالـ»الكاريكاتورية في ظل قانون إعلام، ودستور سوري جديدين، يؤكدان على حق حرية التعبير».

ورضوان هو من مواليد اللاذقية 1975. بدأت مسيرته التلفزيونية كمعد ومقدم برامج في قناتي الفضائية السورية و»الدنيا»، وكتب في مجموعة من الصحف والمنابر العربية.