//Put this in the section

تمديد توقيف بشارة الأسمر: وصمة عار جديدة!

رضوان مرتضى – الأخبار

لم يكتفِ المزايدون باستقالة بشارة الأسمر من رئاسة الاتحاد العمّالي العام أثناء وجوده قيد التوقيف، ولا بإعلان وزير الاقتصاد منصور بطيش، ظلماً وخلافاً لأي نص قانوني، فسخ عقد العمل معه في إهراءات القمح، ولا حتى بسجنه عدة أيام. يُجلَدُ الرجل على الملأ ويهان مع عائلته على طول وسائل التواصل الاجتماعي وعرضها. لم يُفعل به ذلك لأنه «لا يحضر إلى مركز عمله»، كما يقول منتقدوه، ولا لأنه «لا يدافع عن حقوق العمال كما يجب». لم يكفِ التوقيف لاعتباره عقاباً مجزياً على «الجريمة» التي اقترفها بإطلاقه نكتة سمجة وذكورية، لم يُرِد الأسمر قولها علانية، إنما سُجِّلت من دون علمه ووُزِّعت على مواقع التواصل الاجتماعي لتُصبح خبراً أول في الجمهورية. لم يشفع له الاعتذار الذي صُمّت الآذان عن سماعه. لم يعنِ شيئاً لأحد عشرات الاتصالات المسيئة والتهديدية التي تلقّاها أفراد عائلته، فضلاً عن الدعوات لمقاطعة مؤسسة تملكها زوجته من قبل كثيرين، كأنّ حرماً صدر بمنع التعامل معه أو مع أحدٍ من أفراد عائلته. كأن المطلوب هو الإمعان في إذلال الرجل. وخطيئته أنه قال ما يقول أقذع منه سياسيون في المجالس المغلقة (وخاصة من بعض الذين زايدوا في المسارعة إلى إدانة الأسمر وطلب العقوبات له).




قبل أسبوع تماماً، أومأ أهل السياسة للقضاة فتحرّكوا على عجل لـ«تربية» بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمّالي العام «المستقيل». فُتِح الملف ليلاً، وأُرسِلت قوّةٌ مؤللة لاعتقال الأسمر صباح السبت. دَهَمَ قرابة عشرة عناصر أمنية منزله ومقرّ الاتحاد العمّالي العام، لكنهم لم يعثُروا عليه. أُبلغ الأسمر بأنّ النائب العام التمييزي بالوكالة عماد قبلان يُريد الاستماع إليه، وأنّه مُجبرٌ على المثول أمامه للإدلاء بإفادته. اتصل رئيس الاتحاد العمّالي بالقاضي قبلان وأبلغه أنّه في طريقه إليه. كان المحضر مفتوحاً قبل وصول الأسمر لكون النيابة العامة التمييزية هي التي أعطت إشارتها بدهم منزله ومقر الاتحاد العمالي العام. النيّة كانت مبيّتة لتوقيفه قبل الاستماع إليه حتى. لم يُستدعَ الأسمر ليمثل أمام القضاء، فوجئ بعناصر تداهم أماكن يُحتمل وجوده فيها. ورغم أنّ السبت يوم عُطلة وحرصاً منه على احترام القضاء، لم يتوارَ منتظراً حلول أول الأسبوع للمثول أمام القاضي. ذهَبَ بقدميه وشرح ما حصل. لكنّ ذلك لم يعنِ شيئاً لرأس النيابة العامة. أصدر الأخير إشارته بتوقيفه احتياطياً من دون أن يدّعي عليه بمادة محددة، ثم أحاله على النيابة العامة الاستئنافية في بيروت تمهيداً للادعاء عليه، علماً بأنّ جرائم القدح والذم لا تُحرِّك الادعاء العام إلا بشكوى المعتدى عليه. وفي حال كان المرتكب بحقه جرم القدح والذم ميتاً، يحق للورثة وللأقرباء حتى الدرجة الرابعة التقدّم بالادعاء.

أُحيل الأسمر مكبّل اليدين إلى النائب العام في بيروت القاضي زياد بوحيدر ليدّعي عليه بموجب المواد ٤٨٦، ٤٧٤، ٤٨٢، ٤٨٤ من قانون العقوبات. إحدى المواد المدعى بها أي المادة ٤٧٤ تتعلّق بتحقير الشعائر الدينية وازدرائها. لكنّ أحداً لم يعرف ما هي الشعائر الدينية التي حقّرها الأسمر، إنما الذي بات مفهوماً أنّ الادعاء بموجب هذه المادة يُبرّر التوقيف لكون عقوبتها تصل إلى السجن ثلاث سنوات، فيما جرم القدح والذم لا يُوجب التوقيف لكون العقوبة لا تتجاوز السجن لمدة سنة. هذا في الشكل. أما في المضمون فإنّ شروط تحقق هذين الجرمين (القدح والذم وتحقير الشعائر الدينية) لم تحصل أصلاً، لكون الجرمين يشترطان العلنية وتوفّر الوسيلة والقصد الجرمي. وفي الحال القائمة هنا، فإنّ الثابت أنّ الأسمر لم يقصد أن يقول نكته على الملأ، إنما فوجئ بانتشارها. كما أنّ الواضح أنّها كانت على سبيل «الطُرفة» (بصرف النظر عن سماجتها)، وليس بقصد التحقير. غير أنّ كل ذلك لم يعنِ شيئاً للقضاء. أُحيل المجرم مكبّلاً بالأصفاد إلى قاضي التحقيق جورج رزق.

الوقائع الموثّقة بالصوت والصورة، والتي لم تتجاوز بضع ثوانٍ، مكث قاضي التحقيق نحو ساعتين يستجوب الموقوف بشأنها، كأنه من مرتكبي الجرائم الدولية، ليُدوِّن الكاتب تحقيقاً على ٢٢ صفحة، قبل أن يصدر رزق مذكرة توقيف وجاهية بحقّ الأسمر. لقد بات واضحاً أنّ القضية سياسية بامتياز، ولم تعد قضية تخصّ البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير.

اتّصلت «الأخبار» بوكيل الأسمر المحامي بلال الحسيني الذي أكّد أنّه سيدّعي على كل من تعرّض بالإهانات لموكّله على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أبلغ «الأخبار» أنّه «بصدد الادعاء على مرتكب الجرم الحقيقي وهو مسوّق الكلام الذي سجّل الفيديو وسرّبه». دخل توقيف رئيس الاتحاد العمّالي العام «المستقيل» بشارة الأسمر يومه السابع بجُرم التلفُّظ بـ«نكتة بايخة». يمكث الرجل اليوم في نظارة قصر عدل بيروت، فيما تقدّم وكيله القانوني بلال الحسيني بطلب إخلاء سبيله.

الأخطر من كلّ ما سبق، هو الانتهاك الذي يُسجّله القضاء اللبناني، إذ يضع نفسه في تصرّف رجال السياسة الذين أصدروا الأمر بالتوقيف و«العزل». ما يجري اليوم يتجاوز قضية الأسمر. هو يكرّس مرة جديدة «سياسة» عمل القضاء بإمرة السياسيين، الذين يثبّتون، وإن ببطء، أركان دولة بوليسية. ما يجري بحق الأسمر هو، ببساطة، وصمة عار جديدة على جبين الدولة المهترئة. والأكثر اهتراءً فيها هو السلطة التي ينبغي لها أن تحكم بالعدل، باسم الشعب، لا باسم الشعبوية!