//Put this in the section

أين الحريري من مناقشات الموازنة؟

سابين عويس – النهار

على مدى 15 جلسة حكومية مخصصة لمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة المرفوع من وزير المال، بدا واضحا غياب ضابط الايقاع داخل الجلسات لمجرى المناقشات الجارية، كما كان واضحا غياب الاصطفافات السياسية وراء الافكار او المقاربات المطروحة، بحيث تعذر اجراء تقويم واضح لمواقف الكتل السياسية حيال المشروع في شكل عام، واقتصر الامر على إبداء الآراء او الملاحظات بـ”القطعة” او بـ”المفرق”.




وتتقاطع مواقف مصادر وزارية حول بعض النقاط التي أجمع عليها اكثر من فريق داخل الحكومة، ولمسها في شكل واضح، منها أن النقاش خرج من المشاركة الجماعية للوزراء ليتمحور في شكل اساسي بين وزيري المال علي حسن خليل ووزير الخارجية جبران باسيل منذ ان اعلن الاخير عدم رضاه عن المناقشات الجارية وعزمه على تقديم ورقة باقتراحات تكتله النيابي. وقد استغرب عدد من الوزراء ان يقع باسيل في مطب الوعد بتقديم “موازنة من خارج السياق وغير تقليدية”، في حين ان مهمة تقديم الموازنات محصورة بوزارة المال. كما ان الاوراق الخمس التي قدمها باسيل جاءت عامة وتضمنت اقتراحات مدرجة اصلا في الموازنة، ما دل على ان من أعد تلك الورقة لم يطلع بشكل واف على المشروع، ويفتقد المعرفة الكافية في شأن البنود التي يمكن إدراجها في مشروع موازنة، اذ طرحت الورقة افكارا لا تتصل بالموازنة اساسا.

نقطة أخرى لم يفت الوزراء التنبه لها، تمثلت بعدم انخراط وزراء “تيار المستقبل” في النقاشات الجارية، فيما أعرب وزراء عن تحفظهم عن عدم اعطاء رئيس الحكومة حق الكلام او التعليق في اكثر من محطة، حتى لو كان التعليق يصب في خانة رأي الحريري نفسه أو موقفه.

مصادر وزارية مطلعة عزت سبب ابتعاد الحريري عن النقاشات، الى رغبته في الحفاظ على الهدوء وعدم افساح المجال امام مزايدات او مواجهات من شأنها ان تسخّن الاجواء وتحرَف النقاشات عن مسارها. وينطلق موقف الحريري من حرصه على انجاز المشروع بالحد الادنى من الاجواء السلبية، نظرا الى إدراكه حجم الازمة الاقتصادية والمالية وعمقها والحاجة الملحة الى إرسال اشارات جدية الى المجتمع الدولي المترقب لمسار الحكومة ومدى تقيدها بالتزاماتها، مع العلم أن الحريري كان تلقى اشارات سلبية من الخارج حيال المماطلة الجارية في اطلاق ورشة الاصلاحات المطلوبة التي يعود لها في حال تنفيذها الافراج عن اموال مؤتمر “سيدر”.

وعليه، يعتصم الحريري بالتروي والهدوء، منتظرا ما ستؤول اليه الاقتراحات الجاري تداولها، علما ان المناقشات الحكومية شكلت فرصة لرئيس الحكومة لتبيان التوجهات والمقاربات الاقتصادية لمختلف الافرقاء الممثلين على طاولة مجلس الوزراء، والذين اعتادوا رفع الصوت والانتقاد على المنابر.

ويلتقي عدد من الوزراء مع أسلوب الحريري الذي سيتيح في نهاية المطاف لرئيس الحكومة ان يضع حدا لكل الاستهدافات التي تطاله، خصوصا أن كثيرين نفضوا يدهم من القرارات الجريئة التي كان يفترض بالحكومة اتخاذها وتأمين التغطية السياسية لها. ولعلّ تحرك العسكريين المتقاعدين واساتذتة الجامعة اللبنانية وموظفي المؤسسات العامة والمصالح المستقلة الذين أضربوا وتظاهروا في وجه دولتهم اسطع دليل على غياب القرار السياسي الذي يظلل أي إجراء إصلاحي.

قد يكون مسار الموازنة وصل الى مربعه الاخير، وتراجعت الحكومة عن القرارات الموجعة التي أحبطها الشارع على وقع الشائعات ليس أكثر، ولكن الاكيد ان اصبع الحكومة لم يلامس الجرح النازف، بل دار حوله، عسى يكون المجلس النيابي أكثر التزاما، علما ان المجلس لا يمكن ان يأخذ دور الحكومة في هذا المجال.

في الخلاصة، تولد موازنة من رحم قلة المعرفة والخبرة والمسؤولية، لتؤجل انهيارا وتشتري وقتا ليس اكثر!