//Put this in the section //Vbout Automation

مَن يُعدّ الموازنة ومَن يخشى تحمل القرارات ”الجريئة”؟

سابين عويس – النهار

من نتائج مداولات الجلسات الحكومية الماراتونية الخمس عشرة لمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة المرفوع من وزير المال علي حسن خليل الى مجلس الوزراء، سؤال بديهي برسم المشاركين في تلك المداولات، عمن يدعي أبوّة مشروع تعرض لضغط شعبوي، بحيث بدأ في مكان وانتهى في مكان آخر.




فمن ٦٢ مادة دخل فيها المشروع الى طاولة مجلس الوزراء، ليس مستبعدا ان يخرج بأكثر من ٨٠ مادة بفعل التعديلات المتنامية التي يتعرض لها، بعدما ظهر توجه واضح الى تضمينه بنودا لا تمت بصلة الى الموازنة أساسا، بل تستدعي تشريعات من خارجها ولا سيما ما يتصل منها بنظام التقاعد، على ما يقول خبراء متابعون. لكن رغم ذلك، أمكن إرساء بعض الإجراءات الإصلاحية، وإن تكن خجولة وضعيفة وغير مكتملة، إلا أنها قد تؤسس لأكثر إذا توافرت الجدية الكافية لذلك لدى السلطة السياسية، بما يعبّد الطريق لموازنة ٢٠٢٠ إذا صدقت النيات الإصلاحية.

وفي الانتظار، وفيما الحكومة مدعوة الى إرساء رزمة أكبر من الإصلاحات المالية والضريبية الكفيلة بإعادة الانتظام الى المالية العامة، وتقليص هامش العجوزات بين ما تنفقه الدولة وما تدخله الى خزينتها، لا تتعدى النقاشات التي بلغت بحسب توصيف احد الوزراء الجدل البيزنطي، الدائر حول عملية محاسبية لم تبلغ بعد نتائجها المرجوة، في ظل تعذر الوصول الى ارقام واضحة تؤشر لما أدت اليه الخفوض التي أقرّت في أبواب الإنفاق، مقابل الزيادات المرتقبة من الإيرادات الضريبية المقترحة. وباستثناء تلك المتعلقة بزيادة الضريبة على الفوائد المصرفية، لم يتضح بعد حجم الزيادة في الإيرادات المرتقبة.

وفي حين تؤكد مصادر وزارة المال أن الأرقام النهائية التي توصّل اليها فريق الوزارة تبيّن خفضا في حجم العجز بما يقارب الألفي مليار ليرة، يؤكد الوزير المشار اليه أنه لم يتلمس بعد مكامن هذا الرقم ومن أن يأتي، من خفض في الإنفاق او زيادة في الإيرادات، خصوصا أن آخر الأرقام التي تسلمها الوزراء كشفت زيادة في الإنفاق بما يقارب ٣٨ مليار ليرة، لكن وزيرا آخر رد بالقول ان هذا المبلغ جاء نتيجة فرضية تقوم على توقع زيادة في الناتج المحلي الاجمالي في ٢٠١٩ عن ٢٠١٨ بنسبة ١،٥ في المئة، ولجم الانفاق عند حدود موازنة ٢٠١٥ وعدم الأخذ بالارقام الانفلاشية التي طلبها الوزراء لوزاراتهم.

يجمع الوزيران على وصف مسار النقاشات بأنه يفتقد التنظيم ويتّسم بفوضى عارمة، تعكس عدم إلمام الجزء الأكبر من الوزراء بمضمون المشروع، أو اندفاع البعض منهم الى تسجيل مواقف من دون تبين تداعياتها.

ويذهب الوزيران أبعد في إشارتهما الى أن اخطر ما تفتقده الموازنة هو الرؤية الاقتصادية التي يفترض ان تكون مبنية على الأرقام والمؤشرات، كاشفين عن عدم وجود الأرقام النهائية لعام ٢٠١٨، فضلا عن الأرقام المحققة في الأشهر الأربعة الاولى من السنة الجارية. وأهمية توافر هذه الأرقام، أنها تساعد على بلورة أداء المالية العامة في هذه الفترة من السنة، لتبين كيف يمكن ضبط العجز للأشهر الباقية بهدف التزام ما سيتم إقراره في الموازنة، علما أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار أن إقرار المشروع في المجلس النيابي سيستغرق شهرا على أقل تقدير، ما يعني أن المفاعيل الرقمية لن تظهر في اداء ٢٠١٩، وخصوصا أن تنفيذ الالتزامات سيكون بدءا من النصف الثاني من السنة، بحيث لا يكون كافيا لتغطية السنة بكاملها.

تتفق آراء وزراء مع تحذير وزير المال من الكلفة الباهظة للوقت الضائع في النقاشات الجارية، وخصوصا أن كل ما يتم عرضه انطلاقا من ورقة وزير الخارجية، هو مدرج أساسا في المشروع ومقرّ، أو تجري مناقشته. هناك دائما بنود لا صلة لها بقانون الموازنة ولا يمكن بالتالي طرحها ضمنها. ويتفق هؤلاء كذلك مع رئيس الحكومة على دعوته الى إزالة المتاريس من على طاولة مجلس الوزراء، ولكنهم يتساءلون كيف يمكن تفادي الامرين معا، بعدما استغرقت الحكومة ١٥ جلسة في نقاشات بدت كأنها تعدّ مشروعا للموازنة ولا تدرس مشروعا مرفوعا اليها من الوزارة المخولة ذلك؟ حتى وصل الامر ببعض هؤلاء للسؤال عمن يعدّ الموازنة، وهل ثمة وزير ظل للمال، في اشارة الى الورقة التي رفعها باسيل الى المجلس، والتي أثارت استياء وزير المال ليس لأن وزير الخارجية دخل على خط المشروع عند بلوغه خواتيمه، بل لأن غالبية مقترحاته جديرة بالنقاش، وكان يمكن، لو طُرحت منذ البداية توفير بعض الوقت وبعض الجهد المبذول.

في أي حال، بات أكيدا أن الموازنة بلغت مربعها الاخير، وأنها خالية من أي إجراءات “جريئة”، بعدما تبين أن أيا من القوى السياسية ليس مستعدا لتحمل مسؤوليتها، انطلاقا من الاقتناع بأن المس برواتب القطاع العام لن يشكل الحل ما دامت مزاريب الهدر مفتوحة في كل مكان آخر.

يجدر التذكير هنا بأن الأمين العام لـ”حزب الله” كان حذّر من المس بالقطاع العام او بذوي الدخل المحدود، وأبلغ موقفه للجنة الوزارية التي تألفت للتفاهم على توجهات الموازنة قبل بدء الجلسات الحكومية. وبعد ١٥ جلسة حكومية، كان له ما أراد.