مبادرة انتخابية تكرس هيمنة الثنائية الشيعية على لبنان

بدأت حركة أمل التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري حملة تسويق لمشروع قانون انتخابي جديد لدى القوى السياسية، وسط ترجيحات بأن يلاقي هذا المشروع معارضة من قبل تيار المستقبل وقوى مسيحية كالتيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية، باعتباره يصب في صالح تكريس نفوذ الثنائية الشيعية (أمل وحزب الله) على حساب باقي التيارات.

وعلى خلاف ما هو معهود، حيث عادة ما يتم طرح مشروع قانون انتخابي قبل أشهر قليلة من الانتخابات، قامت أمل بطرح مبادرة في هذا الإطار الآن حيث الاستحقاق المقبل لا يزال يفصل عنه أكثر من ثلاث سنوات، وتأتي الخطوة بعد مرور عام فقط على آخر استحقاق كان جرى في مايو من العام الماضي.




وتتعلل حركة أمل بأن طرحها لهذا المشروع في هذا التوقيت هو لترك المجال أما إجراء نقاشات مستفيضة بين القوى السياسية لتفادي ضغط الوقت، معتبرة أن القانون الحالي الذي تم التوصل إليه في العام 2017 بعد أكثر من ثماني سنوات من التأجيل، وما استتبعه من تمديد للبرلمان لأكثر من مناسبة في تجاوز لنص الدستور، ينطوي على الكثير من الثغرات، التي يجب معالجتها، تمهيدا لانتقال البلاد من الطائفية إلى المدنية.

ويقوم القانون الحالي على النسبية زائد الصوت التفضيلي، وقد فرضته الثنائية الشيعية بداعي أن القانون السابق الذي ينص على النظام الأكثري ويعتمده لبنان منذ العام 1943، يعاني من قصور لجهة أنه يحول دون تمثيل أوسع ويكرس الطائفية السياسية.

ويبدو أن حركة أمل وحزب الله لم يكفهما ما حصداه من مكاسب في القانون الحالي والذي ترجم عمليا بسيطرة الثنائي وحلفائهما على المشهد النيابي، وهو ما انعكس على مستوى تمثيلهما الحكومي، ليسارعا إلى طرح مشروع جديد يعزز هذه المكاسب على حساب قوى سياسية مثل تيار المستقبل الذي يتوقع أن يقاتل هذه المرة بشراسة للحيلولة دون المزيد من إضعافه.

وتنص المبادرة الجديدة لحركة أمل وفق ما تناقلته وسائل إعلام محلية على اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة. كما تطرح المبادرة إلغاء مسألة “الصوت التفضيلي” عبر اعتماد التراتبية الاسمية ومن خلالها ستتحدد هوية المرشحين الفائزين.

وتتجنب حتى اللحظة القوى السياسية التعليق على مبادرة أمل، بالسلب أو الإيجاب ولكن تسريبات من داخل التيار الوطني الحر أظهرت تحفظات عليها خاصة على مستوى اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة على خلاف القانون الحالي الذي يقسم البلد إلى 15 دائرة.

وبدا واضحا أن طرح أمل للمبادرة تم بتنسيق مسبق مع حزب الله الذي أظهر اهتماما كبيرا بتعزيز موقعه السياسي، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية عليه وعلى راعيته إيران.

وأبدى حزب الله منذ تشكله في ثمانينات القرن الماضي وإلى حدود 2005، زهدا في الحياة السياسية، لكن الأمور تغيرت خاصة بعد الانسحاب السوري وبات الحزب يطمح لأن يكون طرفا أساسيا في المعادلة السياسية، لعدة اعتبارات من بينها توفير الحماية والغطاء اللازمين لاستمرارية سلاحه، وأيضا للالتفاف على الضغوط الدولية.

وتعاظمت طموحات حزب الله السياسية في السنوات الأخيرة في ظل حالة الضعف التي دبت في أوصال تحالف 14 آذار المناوئ له، وتزايد حجم الضغوط الأميركية، ونجح الحزب من خلال قانون النسبية في تعزيز حضوره النيابي، مع إيصال شخصيات وقوى مقربة منه لقبّة البرلمان، ومكنه هذا النجاح من فرض حصوله على 3 حقائب وزارية بينها حقيبة أساسية وهي الصحة.

ويطمح الحزب من خلال المشروع الجديد إلى المزيد من إضعاف خصومه في الدوائر الكبرى مثل بيروت التي لطالما عدت أحد معاقل المستقبل.

ويرى مراقبون أن موقف القوى الضبابي من المبادرة الجديدة ينم عن رغبة في عدم إذكاء الصراع داخل الساحة السياسية التي تموج بالانقسامات، فضلا عن أن التركيز اليوم ينصب على ملفات لها الأولوية القصوى على غرار الموازنة العامة لسنة 2019 والتي ينتظر أن يصادق عليها مجلس الوزراء (مساء الأحد) قبل تمريرها للبرلمان وسط حالة من الاحتقان الشعبي لما تتضمنه من إجراءات تمس بشرائح واسعة من المجتمع.

وقال وزير المالية علي حسن خليل السبت إن مسودة موازنة 2019 ستسجل عجزا دون نسبة 9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي مشيرا إلى أنه قد يقل عن 8.5 بالمئة.

وأوضح خليل على حسابه بموقع “تويتر” إن المسودة تشمل توفير نحو تريليون ليرة (663 مليون دولار) من تكاليف خدمة الدين لكنه لم يقدم تفاصيل.

ويعاني لبنان من أزمة اقتصادية متفاقمة وهو مُثقل بواحد من أكبر أعباء الدين العام في العالم حيث يسجل 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وكان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قد صرح في أوائل مايو الجاري بأن لبنان بعيد عن الإفلاس لكن عدم التصديق على ميزانية “واقعية” لخفض العجز العام سيكون بمثابة “عملية انتحارية” بحق الاقتصاد.