//Put this in the section
وسام سعادة

من الطوائف إلى الطرائف: عن جمالي والطبش والأسمر – وسام سعادة – القدس العربي

شريط «الطرائف» المحلية اللبنانية، لنقل في الأشهر الأخيرة، غريب عجيب. نائبة «المستقبل» عن طرابلس ديما جمالي تحتل الصدارة. يقبل المجلس الدستوري الطعن المرفوع ضدها وبدلاً من تجيير المقعد للطاعن يعيد الإنتخابات، فيعاود رئيس الحكومة ترشيحها غير مكترث للإعتراضات من هنا وهناك. ثم يسرّب لها حديث في قاعة مغلقة تتهم فيه المجلس الدستوري بقبض أموال لإسقاطها، لكنها تظفر بالمقعد مجدّداً رغم نسبة التصويت المنخفضة. ثم تظهر في برنامج تلفزيوني تفيد فيه بأنّ أموالاً دفعت لـ«حثّ» المواطنين على التصويت، كما لو أنّها راغبة في تكرار الإنتخابات الفرعية من جديد. تقرّر الإقتراب من الشعب الكريم في احتفال بحديقة عامة، فتطرد جامعيين يجمعون التبرّعات إذ حسبتهم «متسولين»!

ننتقل إلى زميلتها في نفس الكتلة، النائب عن المقعد السني في بيروت رولا الطبش. تشارك في قدّاس، ويدفعها الإعتدال الودود مع الآخر المختلف دينياً مع جهلها التام لطبيعة الإختلاف، إلى التقدّم لنيل سرّ القربان، ويكتفي الكاهن بالكأس يضعه على رأسها، كما يحصل مع الأطفال الذين لم ينالوا بعد المناولة الأولى. عاصفة استهجان على «السوشل ميديا» سعت فيها المشرّعة إلى الثبات في البدء على موقفها، قبل أن تتبعها «زيارة» إلى دار الفتوى، فتستمع الى درس ديني وتعيد من بعده النطق بالشهادتين، كما لو أنّها أقرّت بخروجها من الدين أو مروقها عليه، وتعتذر من الله وتجزم بمتابعة التزامها بالشريعة الإسلامية، ومراعاة الضوابط الشرعية، ما أثار عاصفة مضادة من لدن مسيحيين اعتبروا أنّ لهجة البيان الذي حُرّر للطبش ينال ضمنياً من دينهم، ولم يفهموا هل يتوجب التقدّم لنيل سرّ الافخارستية الذي لم يمنح لنائبة «الأمة جمعاء» (وفقاً للتعريف الدستوري للصفة التمثيلية لعضو المجلس النيابي) من دون أن يعطى لها أساساً، «الإعتذار من الله»، خاصة وأنّ ذكر الله في المادة التاسعة من الدستور اللبناني مشترك بين المسيحيين والمسلمين حيث تؤدي الدولة فروض الإجلال لله تعالى، ومفتي الجمهورية بالمناسبة هو موظف فئة أولى في الدولة، وليس على رأس مؤسسة مستقلة عن الدولة كما هي الحال مع رؤساء الطوائف الدينية المسيحية.




وبعد هنّات هيّنات أكثر دعابة للطبش، أطلق تناولها فنجان قهوة في فترة الصوم برمضان، أثناء قدومها الى الصرح البطريركي الماروني في بكركي لتعزيتها بالبطريرك مار نصر الله بطرس صفير موجة غضب جديدة. اعتبر الجمهور الغاضب أنّ المرأة مرشّحة أساساً على المقعد السني في بيروت ما يفترض أنّها يفترض أن تنقل صوت الصائمين وليس العكس، ودخل الساخطون في جدل من قبيل أنّها اذا ثبت أنها معذورة شرعياً فكان يفترض أن تتناول شرابها أو طعامها مستترة. مشرّعة في برلمان بات المدخل إلى مساءلتها عند الجمهور المحازب لكتلتها السؤال عن حيضها!!

ثم أتى حديث رئيس الإتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، أحد رموز مصادرة الحركة النقابية من بعد تدجينها في لبنان. لم ينتبه الرجل قبيل انطلاقة مؤتمر صحافي إلى أن الميكروفون مفتوح وأخذ يردّد سوقيّ الكلام المبتذل متعرّضاً للبطريرك الراحل صفير في عزّ فترة الحزن عليه، وسط قهقهة بقية المشاركين تعلى المنصة. نشطت الوساطة لسحب التسريب في مقابل تكرار مشهدية «فعل ندامة» الطبش مع الأسمر، لكن مسارعته لنفي ما حصل سرّعت في بث الفيديو. موجة غضب عارمة ومطالبة باستقالته من رئاسة الإتحاد وبملاحقته القانونية. كانت النتيجة حتى الآن احتجازه، ولم يستقل بعد. استهتاره بمناخ الحزن على البطريرك صفير، واسفافه بالكلام، وقلّة مسؤوليته النافرة بهذا الشكل، كل هذا كان يستلزم استقالته من رئاسة «الاتحاد»، وهذه الاستقالة يمكن ان تتحول الى نقطة انطلاقة لاسترداد هياكل الحركة النقابية الى المعنيين الاجتماعيين الفعليين لها.

لكن ما حصل كان بالعكس تماماً، محاربة السلوك «الدهمائي» بالدهمائية المضادة. السعد بحزن الآخر هو في أساس كل تصرّف غير اخلاقي، والمنافقة على هذا التصرف غير أخلاقية أيضاً. لكن، ليس كل ما هو أخلاقي يخضع للملاحقة القانونية. حينها لن يكون هناك فارق بين ملاحقة قانونية وبين ملاحقة انتي قانونية.

أغلب الظن أنّ الأسمر لن يطيل المكوث في السجن، أما الحركة النقابية فتدجينها الذي أتى بهذه النماذج لن يساءل بحد ذاته كتدجين. سيطالب ربّما باعتماد التدجين المتحسّب التقي محل التدجين الأرعن.

شريط الأخبار يتّسع أيضاً لنهفات أخرى. مثلاً، التجريدة الأمنية التي أمر بها وزير الخارجية جبران باسيل ضد السلك الديبلوماسي لفحص مصدر تسريب بعض الوثائق. الرموز الدينية التي حملها المعتصمون ضد خط التوتر العالي، ودفاعاً عن صحتهم، ضد مشروع الكهرباء الجديد، مع ان المواجهة كانت محصورة ضمن الطائفة ذاتها، بل، ضمن الحالة السياسية ذاتها.

والبلد في كل هذا يناقش في احتمالات «الانهيار الاقتصادي» أو امتناعه، فيما رولا الطبش التي تعثرت في «عبور الطوائف» من جهة الافخارستية، وعبورها من جهة تناول القهوة في رمضان، حاولت بالأمس مجدداً هذا العبور من بوابة ناجحة، اذ دعت لـ«عدم خنق المصارف». وأساساً من يتجاسر على «خنق المصارف» في بلد رئيس «عماله» بشارة الأسمر؟ الانهيار الاقتصادي «تفصيل». ما هو غير تفصيلي أن هذه الشخصيات والحواديت تظهر الى أي درك وصل غياب العقد الاجتماعي. يعني هذا الدرك الى حد كبير حركة انتقال من الطوائف إلى.. الطرائف.