//Put this in the section

اهتموا بالمستقبل – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

وسط زخم الأخبار المتلاحقة التي تبثّ القلق في النفوس وتنشر الخوف في القلوب… وسط الحديث المليء بالهموم عن منطقتنا، وكأن هذا الجزء من العالم كُتب عليه العنف وعدم الاستقرار، وكأن ذلك قدر محتوم، وقع بين يديّ كتاب لافت وجميل، وعنوانه غريب، «من مكة إلى الميتاداتا»، من تأليف مايكل هاميلتون مورغان، والمؤلف له إلمام عظيم جداً ودراية واسعة للغاية بالتاريخ الإسلامي، والإنجازات المميزة لأهم رجالاته الذين يسلط هذا الكتاب الضوء عليهم.

وعلى الرغم من أن ثقافة المسلمين بصورة عامة هي ثقافة تغوص في أعماق الماضي العميق، وتعتمد بشكل رئيسي على «الماضوية» في كل ما يتمّ طرحه من أفكار، فإن في هذا التاريخ العظيم أسماء مهمة لرجال عظماء كانوا يعتمدون في رؤاهم على أفكار مستقبلية بحتة. وهؤلاء أناس لم يتمتعوا بفوائد الحاسب الآلي ولا بالذكاء الصناعي، ولم يتنقلوا بالطائرة ولم يستفيدوا من الكهرباء أو المضادات الحيوية مثلاً… لم يعرفوا التليفون ولا الإنترنت. آمنوا تماماً بأنه من الممكن تحويل مسار التاريخ، وبالتالي نقل المجتمع باتجاه طريق مستقبلي «مختلف جداً»، وهو تماماً ما تصوره يوماً ما عمالقة كبار، من أمثال جابر بن حيان والطوسي وابن سيناء والخوارزمي والكندي وابن عربي وآخرون غيرهم كثيرون لا تتمّ الإشارة إليهم والإشادة بهم بالقدر الكافي.




البحث مطلوب في معرفة «أسرار» و«أساليب» التفكير الإبداعي والابتكاري التي كانت لدى هؤلاء، وميزتهم عن غيرهم بتكوين أفكار مؤثرة وجريئة.

هل يستطيع المسلمون اليوم إيقاظ همم «الارتجال» القديمة التي مكّنتهم وأعانتهم، وكانت لهم أحد أهم دوافع النجاح والتميز. المطلوب ببساطة واختصار إحياء الشغف بالمستقبل، كما كان الأمر موجوداً ذات يوم، وتحديداً عبر بث القيم نفسها التي حققت العظمة والنجاح والتميز منذ ألف عام. قيم بُنيت على الانفتاح على الآخر وقبول الثقافات والتعايش واحترام العلم بجميع مجالاته.

هناك عباقرة مسلمون آمنوا بضرورة الاهتمام بالمستقبل بالقدر ذاته الممنوح للماضي، عملاً بمقولة النبي صلى الله عليه وسلم: «الخير في أمتي حتى قيام الساعة». نظرية الانتخاب الطبيعي للأنواع عرفها الجاحظ في القرن التاسع الميلادي، وأعلنها داروين عام 1858، نظرية النسبية عرفها الكندي في القرن التاسع الميلادي وأثبتها آينشتاين عام 1905. أيضاً الطوسي شرح الرياضيات والفلك بصورة مستقبلية عقب سقوط بغداد عام 1258 ومهّد الطريق لاكتشاف كوبرنيكوس، ثم اكتشف ابن سينا مبادئ الوعي والعلاج النفسي قبل فرويد وبنروز بنحو 800 عام. جابر بن حيان حاول ابتكار حياة اصطناعية وذكاء صناعياً قبل 1200 عام، والحديث لا يتوقف عن الوعي البيئي وفيزياء الكمّ الحديثة وغيرهما، قبل أن يُصدموا جميعاً بالصد الماضوي واتهامهم بالبدعة. الدعوة للاهتمام بالمستقبل مثل الاهتمام بالماضي قد تشعّ خلاصاً بحد ذاته آن أوانه للمنطقة كلها.