//Put this in the section

بحثاً عن ”مليارات لبنانيّين” في سويسرا… ماذا عن السريّة المصرفيّة في لبنان؟

حسابات مصرفية بين لبنان وسويسرا. الموضوع يثير الاهتمام، في وقت تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ارقام هائلة بـ”مليارات الدولارات”، يُزعم انها اموال تخص سياسيين لبنانيين. الخيوط مجهولة، في وقت تتأجج تعليقات لبنانيين يصبون جام غضبهم على الحكام والمسؤولين.

الكلام مستجد، ويتعلق بالسرية المصرفية في #لبنان. هل لا تزال مصانة فيه، رغم توقيعه اتفاقية التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية؟ يحسم كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك “بيبلوس” #نسيب_غبريل الجواب في حديث الى “النهار”. “بالطبع، لا تزال هذه السرية مصانة، طالما يوجد قانون ينص على هذه السرية”. لكنه يلفت الى وجود “حالات محددة” تفرض رفع هذه السرية”. على سبيل المثال، يمكن “هيئة التحقيق المستقلة لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب في مصرف لبنان ان تطلب رفع السرية المصرفية عن حسابات مشكوك في امرها لاجراء التحقيق”.




المناقشة مفتوحة. فثمة من يجد ان توقيع لبنان اتفاقات او معاهدات، كمعاهدة “فاتكا” مع الولايات المتحدة الاميركية (قانون الامتثال الضريبي على حسابات الأميركيين في الخارج) او معاهدة تبادل المعلومات الضريبية مع البلدان الصناعية، يعني “رفعا للسرية المصرفية في لبنان”. في رأي غبريل، “المصارف تتقيّد بالقوانين. وما يجب تذكره هو ان قانون السرية المصرفية لا يزال ساري المفعول في لبنان، ويطبّق. وتعديله او تغييره يرجع الى مجلس النواب. وحتى حصول ذلك، تبقى المصارف تتقيد بالقانون الموجود، مع الاشارة الى ان رفع السرية المصرفية تتم في حالات محددة، وواضحة، واستثنائية”.

في وقت يتردد كلام سياسي على وجوب رفع السرية المصرفية في لبنان، تنتشر كل مدّة على وسائل التواصل الاجتماعي ارقام يُزعَم انها تمثل “اموالا طائلة لسياسيين لبنانيين وضعوها في حسابات سويسرية”. في زمن “السوشال ميديا” المتاحة للجميع، يلاحظ غبريل ان “لبنان يتعرض منذ نحو عام، لا سيما بعد الانتخابات النيابية وتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، لحملة شائعات وتهويل وتخويف، ونشر ارقام يمينا ويسارا، وترهيب الناس بقرب انهيار الليرة اللبنانية، وافلاس الدولة اللبنانية”.

“الفبركة السهلة”

موجات من الشائعات، وتتنقل بين اللبنانيين “رسائل صوتية، وبوستات مجهولة الهوية على مختلف منصات التواصل الاجتماعي”. ويتساءل غبريل: “كيف عرفوا بقيمة هذه الاموال التي يزعمون انها لسياسيين في الخارج؟” ويتدارك: “اولا لبنان لم يطلب رفع السرية المصرفية عن اي حسابات. ثانيا، الفبركة سهلة جدا على وسائل التواصل الاجتماعي. اسهل الامور ترويج الشائعات والاكاذيب والارقام الخاطئة، لانه يصعب التأكد من صدقية الارقام، ودائما لا يذكر اي مصدر لها”.

من هذه البوستات الفاقدة الصدقية، والتي يتناقلها لبنانيون على صفحاتهم وحساباتهم، “لائحة باسماء مسؤولين لبنانيين لديهم حسابات مجمّدة في البنوك السويسرية، بتعليمات من الإدارة الأميركية”، وفقا للزعم. والمبالغ المذكورة “مليارات الدولارت”. وهناك ايضا بوست يزعم ان “سويسرا تكشف عن 320 مليار (دولار) في بنوكها لسياسيين ومسؤولين لبنانيين فاسدين نهبوها من المال العام”.

السرية المصرفية في سويسرا

وقد اجرت “النهار” تدقيقا في هذا البوست. وكانت نتيجته ان ما يزعمه خاطئ، لأن “سويسرا لا تزال تتمتع بسرية مصرفية”، حتى لو بدأت تطبق الإتفاقية الدولية المتعلقة بالتبادل التلقائي للمعلومات المصرفية، “وهناك اصول محددة لكشف السرية المصرفية”، على ما يشرح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة.

من هذه الاصول، ان “يكون طلب رفع السرية مبررا، ويتعلق بشخص محدد، ويقف وراءه القضاء تحديدا”، على ما يوضح. وهذا يعني انه “لا يستطيع اي شخص ان يطلب كشف السرية المصرفية”. بالنسبة الى البوست، من المستبعد جدا ان يكون احد عرف عن اموال اللبنانيين في سويسرا. لماذا؟ “لانه يجب ان تطلب الدولة اللبنانية، او القضاء اللبناني كشف السرية المصرفية عن حسابات معينة. وهذا لم يحصل”.

ما يجب معرفته في هذا الشأن هو انه رغم تطبيق سويسرا الإتفاقية الدولية المتعلقة بالتبادل التلقائي للمعلومات المصرفية ابتداء من 1 كانون الثاني 2017، فإنها لا تزال تمثل “المركز المالي الأكثر سرية في العالم، تليها الولايات المتحدة”، وفقا لمؤشر نشرته “شبكة العدالة الضريبية” ( 30ك2 2018)، وهي شبكة دولية مستقلة مهمتها الأساسية “الدفع من أجل التغيير المنهجي في القضايا المتعلقة بالضرائب والملاذات الضريبية والعولمة المالية”.

في مؤشر تصنيف السرية المصرفية لعام 2018، احتلّ لبنان المرتبة الـ11، بعد جزر كايمان (المرتبة 3) وهونغ كونغ وسنغافورة ولوكسمبورغ وألمانيا وتايوان والإمارات وجزيرة غرينزي (المرتبة 10).

يشار الى أن “تكتل لبنان القوي” تقدم في آذار الماضي بـ”اقتراح قانون معجل مكرر لرفع السرية المصرفية”، وقال رئيس “التيار الوطني الحر” وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل: “في إطار عملية مقاومة الفساد التي يقوم بها تكتل لبنان القوي، من خلال تنفيذ خطة كاملة متكاملة على الصعيدين التنفيذي والتشريعي، اليوم نحن نقوم بخطوة جديدة”. وشرح  أن “إجراء رفع السرية المصرفية ليس على كل الناس ليقولوا إن من شأن لبنان أن يخسر ميزة أساسية لديه”، وقال: “إنه محصور بالذين يتولون إدارة الشأن العام، من رئيس الجمهورية الى رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوزراء والنواب، لا عامة الناس”، مشيرا إلى أن “تحريك هذا الموضوع لا يتم إلا بناء على دعوى وإثبات وكفالة مالية كي لا يتسلى الواحد بالآخر، كمثل تمنع موظف عن إجراء معاملة لأحدهم فيتقدم بشكوى لكشف حسابه المصرفي، لا ليس الأمر على هذا النحو، وليس بهذه البساطة”.

وأضاف: “إذا ليس الأمر معمما على كل الناس، وسيكون تطبيقه على من سيطبق عليهم وفق آلية معينة من أجل الوصول الى رفع السرية المصرفية. كما أنها ليست المرة الأولى التي يلج فيها لبنان هذا المجال، مع تأييدنا الابقاء على السرية المصرفية التي تعتبر ميزة للبنان وللقطاع المصرفي اللبناني، وإن هذه وسيلة تدخل بها دول كبرى على دول صغرى، تخضعها، تبتزها. إنها وسيلة من وسائل السياسة الدولية المتبعة، التي نحن في لبنان لا نوافق عليها ونقوم بمواجهتها قدر المستطاع، إنما نرغم في بعض الأحيان في مسار معولم في هذا المجال، كي يبقى نظامنا المصرفي ضمن الأنظمة الدولية، ونرغم على التوقيع على إتفاقيات، وسأذكر ثلاث حالات من هذا النوع: أولا الإجازة لهيئة التحقيق الخاصة بمصرف لبنان برفع السرية المصرفية لغايات تبييض الأموال، الثانية إنضمام لبنان الى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة غير الوطنية والإلتزام بعدم جعل السرية المصرفية عائقا أمام تنفيذها، وثالثا إنضمام لبنان الى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وقد تعهد فيها لبنان أيضا بإيجاد الآليات المناسبة بالقانون الداخلي من أجل تذليل أي عقبات ناشئة عن السرية المصرفية”.

هالة حمصي – النهار