//Put this in the section

باسيل يتخطى الحريري في مجلس الوزراء؟

ابراهيم حيدر – النهار

لن تتأخر القوى السياسية والطائفية الممثلة في السلطة والحكومة، في تقويم الوضع بعد إقرار مشروع موازنة 2019 ببنودها القاسية والمؤلمة وما تتضمنه من تقشف على حساب فئات كثيرة من اللبنانيين. الأساس في التقويم هو طبيعة التوازنات التي ستنتج من المناقشات في مجلس الوزراء حول بنود الموازنة، ومن سيتصدر الواجهة السياسية وأي تحالفات ستكون أمام الواقع الجديد، إلى العلاقة مع المجتمع الدولي في ما يتعلق بشروط “سيدر” والاستحقاقات اللبنانية المرتبطة بترسيم الحدود البرية والبحرية والتنقيب عن النفط وغيرها. في خضم هذا الواقع يخرج إلى الواجهة مجدداً إسم جبران باسيل المرشح لتأدية أدوار مركزية في المرحلة المقبلة، وفق مصدر سياسي، خصوصاً في الفترة الفاصلة عن الاستحقاق الرئاسي في 2022.




تشكل موازنة 2019 منعطفاً مفصلياً لما سيكون عليه الوضع اللبناني خلال السنوات المقبلة، ليس اقتصادياً ومالياً فحسب، بل في التركيب السياسي الذي سيخضع أيضاً لجراحات تؤسس لممارسة جديدة من الحكم لا تشبه الحياة السياسية التي نشهد تقلباتها وأزماتها اليوم، حيث ينزلق البعض الى مزيد من الخضوع والتبعية لحفظ مصالحه، فيما البعض الآخر من مكونات الحكومة يزداد ضعفاً. وها هو مضمون الحركة الاعتراضية ضد بنود في الموازنة تؤشر إلى توازنات القوى الجديدة، وعلى ماذا سترسو الأمور سياسياً، إلى الصراع على الإمساك بالمؤسسات والمرافق بين القوى الطائفية وداخل الطوائف ذاتها. في هذا السياق، يستذكر المصدر السياسي كلام باسيل الأول عن خفض الرواتب والتعويضات والعلاوات، وتهويله في هذا الموضوع، للقول للمجتمع الدولي أنه القادر بما يمثله على إجراء إصلاحات حقيقية، وبأنه أيضاً صاحب الكلمة الفصل في قضايا كثيرة كونه رئيساً لأكبر كتلة نيابية مسيحية “التيار الوطني الحر” وفي إمكانه أن يجيّر شعبيته لمنع الفوضى في الداخل اللبناني ويقدم نفسه ايضاً لممارسة أدوار على مقلبي الاصطفافات اللبنانية سابقاً بين 8 و14 أذار.

بدا احتجاج الشارع أكثر ضغطاً على رئيس الحكومة سعد الحريري. حاولت قوى سياسية توظيف التحركات لأهداف لها علاقة بالتوازنات في المستقبل، وقد شعر الحريري وفق المصدر السياسي أن هناك من يسعى إلى إضعافه ودفعه الى تقديم تنازلات في قضايا أخرى غير الموازنة، من دون أن يكون التهويل والضغط هدفه إسقاط التسوية السياسية والحكومية. وقد تلقف الحريري الأمر وصار أكثر مرونة في مناقشة بنود الموازنة واستثناء منها فئات على علاقة بأطراف أو تابعة لها أو تمون عليها، كالتيار الوطني الحر. وقبل مناقشة الموازنة التي أرادها العهد برئاسة الرئيس ميشال عون انتقالاً إلى ممارسة سياسية جديدة تهيئ الظروف لتولي خليفة مضمون له ولسياسته، كان جبران باسيل يتمكن من تأمين شبه إجماع على إقرار خطّة الكهرباء، علماً أن التحرك الاحتجاجي الأخير انفجر بوجه الحكومة وليس بوجه باسيل الذي كان افتتح بازار الحديث عن الإجراءات القاسية والموجعة حول الرواتب، وعلى هامش ملف الموازنة تحرك على غير قضية في الأمن، والسياسة، والإدارة، والقضايا ذات المدى الأبعد، خصوصاً ترسيخ علاقته وتحالفه مع حزب الله، وترسيخ وضعه مرجعاً في السياسة الخارجية، في الوقت الذي يرفع من سقف موقفه في قضايا خلافية، على ما شهدناه في الجبل وأيضاً في العلاقة مع القوات اللبنانية. ولا يقتصر الأمر في موضوع سياسة لبنان الخارجية، فباسيل تحرك على أكثر من محور في الأمن، ليتبين أن له اليد الطولى في جهاز أمن الدولة، وفي مؤسسات أخرى باتت وفق ما هو معلن محسوبة على التيار الوطني الحر.

يتحرك باسيل ومعه يحمل الدعم من “حزب الله”، وهو إذ يختلف مع الرئيس سعد الحريري حول مسائل وملفات عدة، إلا أن العلاقة بين الرجلين مستمرة، يعززها تمسك الحريري بمقتضيات التحالف مع العهد وما ينتج عنه من تداخل في الملفات وفي التسوية، إلى حد أن رئيس الحكومة يتجاوز الخلافات مع باسيل وإن كان الأخير ينتقد قوى الأمن الداخلي وبعض القضاء ويغرد وحيداً في السياسة الخارجية من دون اي اكتراث لموقف الحريري في قضايا خلافية أو إشكالية. وقد وصل الأمر برئيس التيار الوطني الحر أن دعا مدعوماً من رئيس الجمهورية إلى وضع خطة اقتصادية جديدة للبلاد، وتغيير المنظومة الاقتصادية برمتها، وهيكليتها، من دون أن يظهر أي رد فعل من الحريري المعني مباشرة بهذا الموضوع.

يؤدي جبران باسيل دوراً محورياً في الحكومة وفي مناقشاتها وفي توجيه قراراتها. الدعم المطلق الذي يتلقاه من رئيس الجمهورية يعطيه القوة للخوض في ملفات ليست من مسؤوليته، وهذا الدعم يفتح طريقه للسير بخطى حثيثة نحو هدفه في قصر بعبدا. الموازنة ستكون نقطة التحول الأولى لما لها علاقة بالمجتمع الدولي، ولما سترتبه داخلياً من محاور جديدة وتوازنات. ومن التوازنات يذكر المصدر السياسي بتسلم جبران باسيل القذيفة الموقّعة من حزب الله، الهدية للوزير المقاوم، ولما لا “الرئيس المقاوم” في جبيل المسيحية، ليشير الى أن باسيل لم يكترث للانتقادات ولا للمواقف، فيستمر في سياسته وازناً المواقف التي يتخذها داخلياً وخارجياً، على نحو لا تتعارض أولاً مع “حزب الله” الذي يشكل الداعم الأساسي له كقوة أمر واقع يسعى باسيل الى عدم تعرض علاقته بها لأي التباس، ولا يقطع ايضاً مع اي من الأطراف الأخرى، فيختلف مع وليد جنبلاط ثم يعتذر أو يوضح كلامه في مصالحة الجبل، ويمد يده مجدداً لعلاقات إيجابية، ويرسخ علاقته بالحريري، ولا يواجه الأميركيين في موضوع سلاح “حزب الله”، ولا يختلف مع السوريين ولا الإيرانيين، ويكرس موقعه الذي يعطيه القوة للدخول الى القصر. لكن السؤال يبقى، اذا كانت الطريق باتت معبدة لباسيل الى بعبدا، فهل يعني ذلك بناءً للدولة؟