//Put this in the section

”عيبُهُما” السيادةُ والحريّةُ فطوبى لهما!

عقل العويط – النهار

أوّل من أمس مات نصرالله صفير. كان يُراد له أن يموت، بطريقةٍ أو بأخرى، قبل هذا الوقت بكثير. “أُرغِم” على الاستقالة طوعًا، قبل ثمانية أعوامٍ، لأسبابٍ ربّما غير صحيّة، قد تكون أُرفِقت بتقارير مبرمجة عن بداية إصابته بمرض النسيان.




في الأمس كانت ذكرى ريمون إده الذي توفي قبل تسعة عشر عامًا في منفاه الباريسيّ. نفى نفسه ليجد نفسه. بل نُفِّيَ بالقوّة، لأنّه كان شخصًا مُتعِبًا كثير التطلّب وكاشفًا لصغائر الآخرين.

لا هذا الرجل، ولا ذاك، أُصيبا بالغلط حيال لبنان الدولة، دولة الحريّة والحقّ والنزاهة ونظافة الكفّ والقانون والديموقراطية والسيادة والاستقلال. لكنّهما أُجبِرا على التنحّي، فكانت النتيجة واحدة: أن لا تقوم في لبنان دولةٌ للحريّة والسيادة والاستقلال.

طلبوا إلى ريمون إده في أحد الأيّام، أن يطرّي مواقفه بعض الشيء، حيال “سوريا الأسد”، فيصير رئيسًا للجمهوريّة اللبنانيّة. كان أهوَن على الرجل، بل الأشرف له، في معياره، أن يبقى في المنفى، على أن يمرّ بـ”قصر المهاجرين” في طريق عودته إلى بيروت.

طلبوا إلى نصرالله صفير أن يذهب إلى سوريا، ليلتقي الأسد في “قصر المهاجرين” تحت ذريعة تفقّد رعيّته في بلاد الشام. كان جوابه “أين يقع قصر المهاجرين؟”. وطلبوا إليه أن يلاقي البابا إلى هناك، لكنْ بلا جدوى.

كان ريمون إده يعرف، ونصرالله صفير يعرف، أنّهما يفقدان الصدقيّة، ويصيران لا شيء، لا أحد، إذا ذهبا إلى هناك، تحت وطأة السلاح والاحتلال.

آثرا الاحتفاظ بالكرامة، بالشرف، بالموقف، بالحريّة، بالسيادة على الذات، على أن يفرّطا بالمعيار.

مختصر الكلام أنّنا، في مناسبة هذين الغيابَين، نريد رجالًا ونساءً من طينة نصرالله صفير وريمون إده. هذا يجب أن لا يكون مطلبًا مستحيلًا. لكنه للأسف مطلبٌ عسير.

الدليل أنّنا، كلّ يومٍ، بالفتيلة والسراج، نبحث عن مثل هذين الرجلَين، في أمور الدين والدنيا، فلا نكاد نعثر على شبهة تلميذٍ، أو ظلٍّ، لأيٍّ منهما.

ترى، ما قيمة الرئاسة، كلّ رئاسة، أكانت رئاسة الدين أم رئاسة الدنيا، إذا كانت ممرّغة، أو ممسوكة برسن؟!

مشكلتنا في لبنان أننا ممسوكون برسن، وممرَّغون.

يكفي الواحد، أن يرفض التمرّغ، وأن يرفض أن يُمسَك من عنقه برسن، أو أن يتنازل عن حريّة القرار، لكي يبقى لبنان.

لهذا السبب نسأل عن ريمون إده ونصرالله صفير، في الذكرى التاسعة عشرة لغياب الأول، وغداة وفاة الثاني، فلا نكاد نعثر لهما على شبهة أثر في الجمهورية التعيسة.

كان الرجلان من تلاميذ مارون في الحريّة والسيادة. وكانا شاهدَين له، ولمعنى أن يكون المرء مارونيًّا، حاملًا سراج التقشّف والزهد والمنفى والحقّ والقانون والشرف والكرامة.

“عيبُهُما”، أنّهما أرادا للمارونيّة أن تؤتي ثمارها في الدولة، فأعرضا عن الإغراءات، ولَفَظا المجد المسموم المفخّخ، وآثرا أن يكونا رجلَي دولة، حرَّين، سيّدَين، مستقلَّين. طوبى لهما!