//Put this in the section

الحكومة تبدأ مغامرة التقشف وتشديد الضرائب

تبنت الحكومة اللبنانية أمس إصلاحات ضريبية قاسية يتوقع أن تثير صداما مع معظم القطاعات مع استمرار الاعتصامات والإضرابات حول السياسات التقشفية التي تنوي الحكومة تطبيقها.

واعتبرت الأوساط الاقتصادية أن إقرار موازنة 2019 بصيغتها الحالية سيضع الجميع في حقل ألغام بالنظر إلى الأزمات المزمنة، التي تعاني منها الدولة منذ سنوات.




وتسود حالة من الترقب مع احتدام النقاشات حول الموازنة التي تشمل حزمة واسعة من الإجراءات لكبح انفلات الإنفاق، في وقت تعاني فيه شريحة واسعة من المواطنين من ظروف معيشية صعبة تحت وطأة التجاذبات السياسية.

وباستثناء خفض الرسوم المفروضة على الدراجات النارية لتحفيز مالكيها على تسجيلها لدى مصالح النقل، فإن الحكومة فرضت حزمة من الضرائب على عدة قطاعات بانتظار ما ستؤول إليه الأمور تجاه القطاع المصرفي.

ونسبت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية لوزير الإعلام جمال الجراح قوله إنه “تم البحث بعمق بخصوص المواد الضريبية، واتخذت الحكومة قرارات في بعض المواد، منها مثلا تخفيض رسوم التسجيل للدراجات”.

وأوضح أن “أغلب الدراجات في لبنان غير مسجلة نتيجة ارتفاع الرسوم، وجرى خفضها إلى الحد الأدنى تشجيعا للناس على تسجيل دراجاتهم”. وتم أيضا اتخاذ قرارات بخصوص الالتزام الضريبي، وقال الجراح إن “الغرامات على التهرب الضريبي أصبحت عالية بهدف ضبط جباية الدولة من الضرائب”.

كما أقرت الحكومة رفع الرسوم قليلا على إجازات العمل على الأجانب، إلى جانب زيادة الرسوم على الطائرات، التي تهبط في مطار بيروت بما يزيد الدخل والرسوم تساويا مع بقية المطارات في العالم أو المنطقة.

وبالتزامن مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء نفذ العسكريون المتقاعدون اعتصاما أمام مصرف لبنان المركزي في بيروت ليل الأحد/الاثنين، مطالبين بسحب المواد التي تضر بحقوقهم من مشروع موازنة 2019.

ونصب العسكريون المتقاعدون أمس خيما أمام المركزي، معلنين أن اعتصامهم مستمر أمام المصرف، وسط إجراءات أمنية. وعمدوا إلى إقفال مداخل المصرف المركزي وافترشوا الأرض أمام أبوابه.

ولم يتم بعد اتخاذ إجراءات حول مسألة الاقتطاع من رواتب الوزراء والنواب والرؤساء. وقال الجراح إن “موضوع الرواتب ككل لم نبحثه حتى نرى الإجراءات التي اتخذناها حتى الآن وما الذي ستخفضه من العجز، وإن كانت كافية أم لا”.

واستقبل القطاع المصرفي الموازنة الجديدة بالكثير من التشاؤم كونها ستفرض ضغوطا أكبر على البنوك، وهو ما سيؤثر سلبا على التصنيف الائتماني للبلاد.

وعبر مصرفيون لبنانيون خلال مؤتمر مالي عقد في العاصمة بيروت مؤخرا عن قلقهم من ضغوط الحكومة على البنوك لتمويل الدولة في محاولة لتقليص العجز في الموازنة الجديدة المثيرة للجدل.

وقال سليم صفير رئيس مجلس إدارة بنك بيروت، في المؤتمر إنه “لا يمكن للحكومة أن تضغط من خلال التشريعات على القطاع المصرفي لتمويل الدولة، مما قد يؤثر سلبا على هذا القطاع وعلى التصنيف الائتماني للبنان”.

وناقش المؤتمر آخر التطورات المالية في لبنان والانعكاسات السلبية، التي قد تترتب على موازنة الدولة الجديدة على البنوك والاقتصاد في حال قررت الحكومة فرض ضرائب جديدة على القطاع.

وأشار صفير إلى أن البنوك دفعت ضرائب بقيمة ملياري دولار في العام الماضي، وهي غير مستعدة لدفع ضرائب أكبر قد تفجر أزمة لا يمكن التكهن متى ستنتهي. وتطالب الحكومة بالمزيد من الدعم من البنوك عن طريق الاشتراك في سندات الخزينة بمعدل فائدة غير سوقي قدره واحد بالمئة في محاولة لخفض تكلفة خدمة الديون.

ووفق وكالة التصنيف الائتماني، فإن خدمة الديون يمكن أن تصل إلى 58.6 بالمئة من إيرادات الحكومة بحلول عام 2021 إذا استمر العجز المالي بنسق تصاعدي. ويهدف مشروع الموازنة الذي تناقشه حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري إلى خفض العجز إلى أقل من 9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة العام الحالي من 11.2 بالمئة في موازنة العام الماضي.

وتشكو الدولة من ضعف الإنتاجية وتضرر قطاعات حيوية من الوضع المضطرب في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب معدل الديون البالغ 150 بالمئة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو من بين أعلى المعدلات في العالم.

ورغم أن العملة المحلية مرتبطة منذ عقود بالدولار لتسيير شؤون الدولة وخاصة أثناء الظروف المتقبلة، إلا أن الاعتماد بشكل أساسي على هذا المعطى غير كاف للخروج تدريجا من الأزمة.

ونسبت وكالة شينخوا الصينية إلى الخبير الاقتصادي ورئيس قسم البحوث الاقتصادية في بنك بيبلوس نسيب غبريل، تأكيده أن الإجراءات التي تريد الحكومة تنفيذها “فظيعة”. وأوضح غبريل أنه ليس من المستحسن أبدا إجبار البنوك المحلية على الاشتراك في سندات الخزينة بمعدل غير سوقي قدره 1 بالمئة.

وقال إن “زيادة ضريبة الفائدة على الودائع ستزيد الوضع سوءا لأنه يؤثر على دخل الآلاف من المتقاعدين الذين يعتمدون على فوائد ودائعهم من أجل البقاء”. وحذر غبريل من أن زيادة ضريبة الفائدة على الودائع ستؤدي إلى زيادة في تكلفة البنوك لأن المودعين سيطالبون بعد ذلك بأسعار فائدة أعلى على ودائعهم.

وأشار إلى أنه عندما ترتفع أسعار الفائدة على الودائع تزداد الفوائد على القروض، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى انكماش اقتصادي. وتخضع جميع البنوك المحلية بالفعل لضريبة بنسبة 40 بالمئة على أرباحها، بالإضافة إلى دفع ضريبة بنسبة 7 بالمئة على الفوائد على سندات الخزينة. ولا يمكنها تحمل أعباء أخرى في ظل الوضع القائم.

وكشف الخبير الاقتصادي بيار خوري في تصريحات لوكالة شينخوا أن القطاع المصرفي متردد في إعادة تمويل الحكومة دون التزام حقيقي بتنفيذ إصلاحات حقيقية. ووفقا للخوري، فإن الإجراءات الإصلاحية التي يجب أن تتخذها الحكومة للحد من عجز الموازنة العامة للدولة تشمل الإصلاح الشامل للقطاع العام وقطاع الكهرباء، بالإضافة إلى مكافحة الفساد والتهرب الضريبي.