مناورة محمّلة بالرسائل.. تركيا تجري أكبر تدريبات بتاريخها في ٣ بحار بينها شرق المتوسط

انطلقت اليوم الإثنين 13 مايو/أيار 2019، مناورات «ذئب البحر»، وهي الأكبر من نوعها في تاريخ الجمهورية التركية، وتُنفذ بشكل متزامن في ثلاثة بحار، بما فيها شرق المتوسط، الذي تسبب في خلاف بين تركيا ودول عدة، جرّاء التنقيب فيه عن الغاز.

وتُشرف قيادة القوات البحرية التركية على المناورات الجارية بشكل فعلي للمرة الأولى، في البحر الأسود، وإيجه، وشرق المتوسط، بمشاركة 131 سفينة بحرية، و57 طائرة حربية، و33 مروحية.




وتجري مناورات ذئب البحر على المستوى الاستراتيجي والعملياتي، استناداً إلى سيناريوهات مستوحاة من فترات الأزمات والتوترات والحروب، وتنتهي المناورات في 25 مايو/أيار الجاري.

وقالت وكالة الأناضول إن المناورات تهدف إلى رفع مستوى الجاهزية العملياتية للقطع البحرية والجوية التابعة لقيادة القوات البحرية التركية.

وتشهد المناورات الجارية في شرق المتوسط مشاركة سفن وطائرات ومروحيات تندر رؤيتها حتى في القوات البحرية المتطورة، ومن المقرر تنفيذ عمليات قصف من البحر إلى البر، إضافة إلى ضرب أهداف على سطح الماء، في إطار المناورات.

وسيتم تنفيذ عمليات قصف من طائرات مسيّرة، وراجمات صواريخ محملة على السفن الحربية، وطائرات مسيرة هجومية ومسلّحة، وقذائف موجَّهة، وقصف من مدفعية البحرية، وقصف جوي من الطائرات.

كما تتضمن المناورات تدريبات على الحرب فوق الماء، والحرب الدفاعية تحت الماء، والحرب الإلكترونية، وعمليات المراقبة في البحار، وعمليات إنقاذ عناصر الغواصات.

مناورات وسط التوترات

وتأتي هذه المناورات في وقت حسّاس، ما يجعلها تحمل الكثير من الرسائل، فإلى جانب أنها المناورات الأكبر في تاريخ تركيا، فإنها تأتي بعد أيام من تحذير مصر لتركيا، بعد إعلان الأخيرة نيّتها البدءَ في أنشطة حفر غرب قبرص، بحثاً عن النفط والغاز.

وقال بيان لوزارة الخارجية المصرية، يوم 4 مايو/أيار الجاري، إن تحرك تركيا شرق المتوسط يُعد «بمثابة تهديد للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط».

وكانت مصر قد أعادت ترسيم الحدود البحرية بينها وبين قبرص في منطقة شرق المتوسط، وذلك بعد ظهور اكتشافات جديدة للغاز في منطقة المياه الاقتصادية بين البلدين.

وبعد يوم من التحذير المصري، أعربت الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً عن قلقها من نية تركيا البدء في التنقيب البحري، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورجان أورتاجوس، إن «واشنطن تشعر بقلق عميق من خطط تركيا المعلنة لبدء عمليات التنقيب البحرية، في منطقة تطالب بها قبرص، التي تعتبرها منطقتها الاقتصادية الخالصة».

ووصفت أورتاجوس هذه الخطوة بأنها «استفزازية للغاية، وتزيد من التوترات في المنطقة»، مضيفةً: «نحث السلطات التركية على وقف هذه العمليات وتشجيع جميع الأطراف على التحلي بضبط النفس».

تركيا تردّ

من جهتها أبدت تركيا تحدياً للتحذيرات المصرية والأمريكية والأوروبية، وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء 7 مايو/أيار 2019، إن بلاده ستستمر في أعمال التنقيب شرقي البحر المتوسط .

وأشار خلال ردِّه على أسئلة الصحفيين في البرلمان التركي، إلى أن السفن التركية تواصل أعمال التنقيب من أجل حقوق أشقائها في جمهورية قبرص التركية، بصفتها دولة ضامنة.

وقالت الخارجية التركية، الإثنين 6 مايو/أيار 2019، إن بيان نظيرتها الأمريكية حول أنشطة أنقرة المتعلقة بالتنقيب عن الغاز في جرفها القاري شرقي البحر المتوسط «لا يمت إلى الحقيقة بصلة».

وكانت وسائل إعلام تركية قد نقلت عن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، قوله إن سفينة تركية بدأت التنقيب في المناطق التي أصدرت سلطات شمال قبرص تصريحاً لها، وهي خطوة من المحتمل أن تثير التوترات مع قبرص واليونان.

وفي معرض تعليقه على مناورات «ذئب البحر 2019″، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن الغاية منها هي إظهار مدى عزم وإصرار وقدرة القوات البحرية على حماية البلاد وأمن شعبها، والمحافظة على السيادة والاستقلال، والحقوق والمصالح البحرية.

وأضاف أكار: «نتخذ كافة التدابير اللازمة من أجل حماية حقوق بلادنا في شرق المتوسط وقبرص، علاوة على مكافحة الإرهاب داخل البلاد وخارجها».

خلاف قديم

ودشَّنت تركيا سفينة الحفر الأولى لها، وتدعى «فاتح»، في أكتوبر/تشرين الأول 2018، قبالة ساحل إقليم أنطاليا بجنوبي البلاد. وقالت إن سفينة ثانية اشترتها ستعمل في البحر الأسود، لكن تم توجيهها إلى منطقة قبرص.

من جانبها، تقول جمهورية شمال قبرص التركية، إن أي ثروة بحرية تعود ملكيتها لها أيضاً، بوصفها شريكة في تأسيس جمهورية قبرص عام 1960.

وجزيرة قبرص مقسَّمة منذ 1974، إثر اجتياح تركي أوقد شرارته انقلاب عسكري وجيز بإيعاز من اليونان، وسبق أن أخفقت مساعٍ عديدة لإحلال السلام، بينما أدت الثروة البحرية إلى تعقيد مفاوضات السلام، حتى مع قول القبارصة اليونانيين إن ذلك الأمر ليس مطروحاً للنقاش.

وطبقاً للقوانين البحرية التابعة للأمم المتحدة، فإن الدول الساحلية لها حقوق في المياه حتى عمق 320 كلم أمام شواطئها، لكن في حالة شرق البحر المتوسط تحديداً الأمر ليس بهذا الوضوح؛ نظراً للطبيعة المقعرة للمنطقة، ما يؤدي لتداخل بين المناطق، الأمر الذي يستدعي التفاوض والوصول إلى حلول توافقية.

وفي ظل تشابك العلاقات وتوترها بين تركيا وقبرص واليونان من ناحية، وبين تركيا ومصر من ناحية أخرى، تصبح مسألة الوصول لحلول توافقية أكثر صعوبة، وبالتالي يتكرر هذا النوع من التصعيد.

وتريد تركيا حصة من اكتشافات النفط والغاز في شرق المتوسط وترى أن هذا حقها، وقد أرسلت الحفارة البحرية «الفاتح» التي بدأت الحفر على عمق 100 كلم داخل البحر المتوسط قبالة ولاية أنطاليا في أكتوبر الماضي، لكن حكومتي اليونان وقبرص اعترضتا على الأمر على اعتبار أن الحفر يتم في مناطق متنازع عليها.

وفي مارس/آذار من العام الماضي اعترضت السفن الحربية التركية سفينة حفر تابعة لشركة إيني الإيطالية في شرق البحر المتوسط، ما أدى لتصعيد مشابه لما يحدث الآن، وأيضاً شاركت فيه مصر ببيان للخارجية.