//Put this in the section

هكذا هوت “الحرب التجارية الشرسة” بعلاقة بكين بواشنطن

تمر العلاقات الصينية الأمريكية هذه الأيام بفترة حرجة، أججها فرض رسوم أمريكية على البضائع الصينية بقيمة 300 مليار دولار سنويا، بعد يوم من رفع الرسوم على سلع أخرى بقيمة 200 مليار دولار، ورد الصين باجراءات على ذلك.

 




وربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الجمعة، مسألة إبقاء أو إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضتها بلاده على الصين، بنتائج المفاوضات التجارية مع بكين.

وقال ترامب في تغريدة نشرها بموقع “تويتر” إن “محادثات التجارة بين الولايات المتحدة والصين ستستمر في المستقبل، وإن إلغاء أو الإبقاء على الرسوم الجمركية الأمريكية يعتمد على نتيجة المفاوضات”.

 

واعتبرت وكالة أسوشيتد برس أنه بالرغم من أن بعض التوترات شابت العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية، إلا أن حرب الرسوم الجمركية هي الأكثر شراسة منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

والسبت، أعلن الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتهايزر في بيان أن الرئيس دونالد ترامب أمر ببدء رفع الرسوم على جميع الواردات المتبقية من الصين، والتي تقدر بنحو 300 مليار دولار، وذلك بعد يوم من رفع الرسوم من 10 إلى 25% على بضائع صينية بقيمة 200 مليار دولار.

والجمعة، قالت وزارة التجارة الصينية إنها “تأسف بشدة” لزيادة الرسوم الجمركية الأمريكية على نحو 200 مليار دولار من السلع الصينية، وتعهدت اتخاذ “التدابير المضادة اللازمة”، دون توضيح تلك التدابير.

وتأتي تلك التحركات وسط محادثات جارية بين الجانبين تهدف إلى إيجاد حل للنزاع التجاري طويل الأمد بين البلدين.

وقال مايكل تايلور، العضو المنتدب لاستراتيجية الائتمان والمعايير في وكالة موديز انفستورز في هونغ كونغ، في تصريحات صحفية الجمعة، إن هذه الخطوة “تؤدي إلى تفاقم حالة عدم اليقين في بيئة التجارة العالمية، وتزيد من التوترات بين الولايات المتحدة والصين ، وتؤثر سلبًا على المعنويات العالمية وتزيد من كره المخاطرة على الصعيد العالمي”.

ومنذ حزيران/ يونيو 2018، تبادل البلدان فرض الرسوم على سلع بمليارات الدولارات؛ مما ألقى بتأثيرات سلبية على أسواق العالم، وعطل سلاسل إمدادات المصانع وقلص صادرات المزارع الأمريكية، قبل التوصل إلى هدنة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

ويطغى التوتر والتنافس الحاد على العلاقة بين الطرفين في ظل الرئيس دونالد ترامب، في ما يشكل تناقضا مع المقاربة الهادئة التي اعتمدها الغرب حتى الآن، ويهدد بإحداث شروخ في العالم لا يمكن التنبؤ بها بعد، وفق خبراء.

وتقول أليس إيكمان المسؤولة عن شؤون الصين في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (ايفري) إنه من الحرب التجارية (ومحادثات السلام في واشنطن السبت) إلى التوترات في بحر الصين “دخلنا في فترة من التنافس القوي والطويل الأمد بين الصين والولايات المتحدة”.

بدوره يرى براهما تشيلاني الأستاذ في مركز أبحاث السياسات الهندي أن “هناك تحولا في السياسة الأميركية ستكون له انعكاسات كبيرة على أهم علاقات ثنائية في العالم، وأبعد من ذلك، على الأمن العالمي”.

ويضيف “من ريتشارد نيكسون الى باراك اوباما، ساعد الرؤساء الأميركيون المتعاقبون في ظهور الصين كقوة اقتصادية”.

لكن كل شيء يتغير مع دونالد ترامب. فبعد تقويض النظام المتعدد الأطراف الذي يهيمن عليه الغرب منذ فترة ما بعد الحرب، أطلق الرئيس الأميركي المرحلة الثانية من صاروخه الجيوسياسي: مواجهة الصين التي يزداد نفوذها قوة، بما في ذلك شن حرب تجارية شرسة عليها عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، اعتقاداً منه بأن سياسة التوفيق التي اتبعها الرؤساء السابقون الحق الضرر ببلاده.

ويقول تشيلاني إن التغيير الأميركي عميق و”سيستمر إلى ما بعد” رئاسة دونالد ترامب لأن هناك “إجماعاً في واشنطن على أن السياسة السابقة المتمثلة في +التعامل البناء+ (مثلما أطلق على سياسة الرئيس كلينتون) مع الصين فشلت ويجب استبدالها” باعتماد نهج أكثر تشددا.

ويقول جان فرانسوا دي ميغليو رئيس مركز آسيا الفرنسي إن ترامب يعتبر أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001  كان “خطأ مميتاً”.

ويضيف “في السنوات التي سبقت عام 2001، كان لدينا إدارة صينية تلعب لعبة التمثل بالغرب، ما حدا بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى القول: دعونا نفترض حسن النية لديهم، دعونا نفتح لهم الأبواب ونمنحهم وضع الاقتصاد الناشئ” في منظمة التجارة العالمية.

ويقول إن “الصين تعتبر هذا انتصارا هائلا، فمنذ عام 2001، سجلت فوائض تجارية مفرطة وراكمت احتياطيات العملة”.

نحو عالمين متوازيين

 
حتى الآن، لا يبدو أن لسياسة دونالد ترامب عواقب سلبية هائلة بالنسبة للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإنها لا تخلو من المخاطر نظرا لقوة الصين الاقتصادية والتوسع الكبير لنفوذها الجيوسياسي العالمي.

ويقول دي ميغليو إن “إذلال الصينيين (…) يعني وضع خلفاء (دونالد ترامب) أمام مشكلة كبيرة مع الصين، وهي ليست كوريا الشمالية واليابان وكندا وأوروبا أو المكسيك”، وكلها أطراف جيوسياسة اقل ثقلاً يسيء ترامب معاملتها دون مشكلة.

وحتى وإن لم تتسع الحرب التجارية، فإن بذور الشقاق تبدو عديدة، وإن كان الخبراء الذين حاورتهم فرانس برس لم يبدوا حماساً لفكرة الاتجاه نحو “فخ ثوسيديدس” الذي نظَّر له الأميركي غراهام أليسون ومفاده أن أي قوة ناشئة جديدة لا بد أن تدخل في نزاع في وقت ما مع القوة المهيمنة.

وتقول إيكمان إنه “على المدى الطويل، من الممكن أن نتوقع ظهور قطبين متنافسين وشكلين مختلفين من العولمة” يتبع كل منهما لزعيمه ويسيران في مسارين متوازيين.

وتضيف أن “الاستقطاب في العلاقات الدولية قد يولد شكلاً جديداً من المنافسة بين شبكات البنية التحتية والأحكام والمؤسسات الدولية، وما الى ذلك”.

ويقول دي ميغليو “إذا صنعت قمراً صناعياً في أوروبا للصين، فأنت مضطر لاستبدال كافة المكونات التي يمكن أن يستخدمها الأميركيون. تخيل الشيء نفسه في الاتصالات الهاتفية والسيارات وفي كثير من القطاعات، مع انقسام العالم على امتداد خطوط لا يمكن لنا رسمها”، ويتساءل “هل ستمر عبر ألمانيا؟ عبر أوروبا الوسطى؟ عبر آسيا الوسطى؟”

في هذا السياق، تقول إيكمان “لدى الدول الأخرى خيارات في العروض، مسترشدة بميولها السياسية وقربها الجغرافي ونقاط ضعفها الاقتصادية إزاء أحد البلدين”.