أزمة الاضرابات- الاحتواء قبل الانفجار… هل ينقذ السلطة من استهتارها؟

سابين عويس – النهار

هل كان من الضروري أن يقع لبنان واللبنانيون رهائن حملات تحريض وتهويل، استعادوا معها محطة أليمة وخطيرة في آن من محطات الحرب الأهلية وعدوان ٢٠٠٦، لتتكشف مآرب سياسية ذات أجندات وحسابات خاصة لا تفقه في الاقتصاد ولا تقيم حساباً أو وزناً لارتداداتها الخطيرة على وضع مالي واقتصادي هش بلغ مرحلة من الخطورة والدقة لم تعد تحتمل اي تلاعب او مزايدات او استهتار؟




فما تعرضت له البلاد في أول ايام الأسبوع بالتزامن مع انعقاد جلسة جديدة لمجلس الوزراء لاستكمال مناقشة مشروع قانون الموازنة العامة لما تبقى من السنة الجارية، دفع الى طرح علامات استفهام عديدة حول الجهات التي تقف وراء حملات التهويل المستمرة منذ فترة غير قصيرة، ولكنها بلغت ذروتها الآن، مع ذهاب نقابات المؤسسات العامة والمستقلة بتصعيدها الى حدودها القصوى، ما دفع رئيس الحكومة الى إصدار مذكرة تمنع الإضراب.

أول علامات الاستفهام تتصل بالتحركات النقابية، وهل هي هي فعلاً وليدة الأزمة المستجدة او لها خلفيات سياسية، سيما وأن الحركة النقابية في لبنان اتسمت في العقود الاخيرة بالحيثيات السياسية والحزبية التي تحركها؟ واذا صح ما كشفه وزير الدولة للشؤون الخارجيةة حسن مراد عن ان الإضرابات مشبوهة، فمن هي الجهات التي تحركها، علماً ان أي متابعة دقيقة لمجريات تطور الامور منذ اعلان وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل عن إجراءات ستطال معاشات الموظفين، ومن ثم الاستهداف الممنهج لحاكم المصرف المركزي والمصارف، تدلل على أن المسألة لا تتوقف عند حقوق ومكتسبات موظفين بل تذهب أبعد في اتجاه ما سبق وتكرر على لسان أكثر من فريق يدور في فلك “حزب الله” عن توجه لتغيير المقاربات الاقتصادية القائمة وخياراتها. وما المادة ٦٠ الواردة في مشروع الموازنة الا جزءاً من التعبير غير المباشر عن هذا التوجه.

واذا كان الفريق السياسي للعهد دفع في هذا الاتجاه بمواقف متكررة علنية، وُضعت في مرحلة ما في خانة الاستهداف الشخصي لحاكم المصرف المركزي، او في تعطيل التجديد لنوابه- والمسألة لا تزال معطلة حتى الآن، ولم يبتها مجلس الوزراء بعد، بما يترك الحاكم وحيدا في ادارة الحاكمية-، فإن المادة ٦٠ دفعت هذا الفريق الى فرملة الاندفاعة وإعادة النظر فيها بعدما بدا انها سلكت مسارا غير ذلك المقدر لها. المادة لن تحد من صلاحيات رياض سلامة بل ستضع المصرف المركزي كسلطة مستقلة تحت وصاية وزارة المال التي باتت عرفا في يد الطائفة الشيعية، صاحبة التوقيع الثالث.

ولعل المعالجات التي بدأت منذ الصباح لأزمة الإضرابات اولاً، لاستعادة السيطرة على سوق القطع، بعد تفلت استغله صيارفة، ومن ثم للأزمة المستجدة مع المادة ٦٠، أعادت للحكومة بعضاً من هيبتها المفقودة بفعل الاستسهال والاستهتار بطريقة ادارة الأزمة والنقاشات حول مشروع الموازنة وإجراءاته التي كان يفترض انها حظيت بتوافق القوى السياسية جميعها قبل طرحها على طاولة مجلس الوزراء.

في أي حال، تكثفت الإتصالات بين رئيس الحكومة سعد الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لتنتهي الى اجواء ايجابية، من شأنها ان تنعكس تعليقا لإضراب الموظفين، بما يتيح استعادة دورة العمل الطبيعية في القطاع المالي والمصرفي، وذلك بعدما تم توضيح الإلتباسات التي أضرب على أساسها الموظفون.

هذه الالتباسات التي قال عنها وزير الاعلام جمال الجراح عقب جلسة مجلس الوزراء انها جاءت بناء “على معلومات خاطئة وبنيت على معطيات لم يتم التطرق اليها”.

مخرج لائق للحكومة، لا يعفيها من مسؤولية الالتزام بالاصلاحات التي وعدت بها والتي تتناول في الدرجة الاولى القطاع العام. والواقع ان كل الضجة التي أثارها موظفو هذا القطاع دفاعاً عن حقوقهم ومكتسباتهم الممنوحة لهم بالقانون، كان يمكن أن تسقط لو بدأ مشروع الموازنة ببند محدد يقتطع من العطاءات التي تمنحها السلطة السياسية لنفسها قبل أن تبدأ بالموظفين الذين تعجز عن ضبطهم!