قصة مزارع شبعا ومثلّث التفجير… نصرالله لا يفرّق بين ”لبنانيتها” و”سوريتها”؟

ابراهيم حيدر – النهار

تحدث السيد حسن #نصرالله عن التزام ما تقرره الدولة في شأن #مزارع_شبعا، فإذا قررت انها لبنانية يعني ان المقاومة تتحمل مسؤولية تحريرها. لكن لا بأس إذا كانت سورية ايضاً، فها هو الحزب لا يزال في العمق السوري من دون أن يسأل الدولة عن تدخله إلى جانب النظام هناك. “وإذا أحب اللبنانيون فلا مشكلة في أن نعود ونناقش القرى السبع وعشرات آلاف الدونمات التي تحتلها إسرائيل لأهلنا في القرى الأمامية”. في الكلام الأخير لنصرالله تختلط الأمور والتقديرات، فإذا كان لا مشكلة لديه في جمع كل هذه المناطق في سلة واحدة، طالما أنه كان يسعى إلى إطلاق مقاومة في الجولان المحتل قبل انسحابه إلى مناطق خلفية، وفق خبير سياسي متابع، إلا أن المشكلة تكمن في عدم تحديد الخطوط التي ترتكز إلى الوطنية اللبنانية، فيتم الخلط بين تلال كفرشوبا المعترف بلبنانيتها دولياً، وشمال الغجر أيضاً، وبين مزارع شبعا المدرجة ضمن اتفاقية الفصل السورية – الإسرائيلية عام 1974 حول الجولان.




المقصود بالتقدير، وفق الخبير السياسي، أن المقاومة عادة يجب أن تأخذ في الاعتبار نقاط ضعف العدو، خصوصاً في ما يتعلق بالقرارات الدولية، فلا تسقط مرجعية الدولة بالحرب والسلم، ولا تقرر عنها. هذه النقطة تحديداً تتعلق بمزارع شبعا، إذ إن “حزب الله” الذي كان ينفذ عمليات متتالية في تلال كفرشوبا وعلى تخوم المزارع بعد التحرير عام 2000، انكفأ بعد عدوان تموز 2006 ولم يعد له وجود علني في المنطقة. لذا ما عدنا نشهد أي تصعيد، باستثناء عملية نفذها الحزب عام 2015 في مزارع شبعا لجهة الحدود الفلسطينية – السورية صعوداً من المجيدية اللبنانية، رداً على اغتيال جهاد مغنية ورفاقه في القنيطرة السورية. وقد جاءت العملية حينذاك، وفق السياسي الخبير، في منطقة تعتبرها الأمم المتحدة سورية، أي أن “حزب الله” رد على الاغتيال في ارض غير لبنانية، وكأنه قال إن قواعد الاشتباك حسمت الرد في أرض سورية، اقله وفقاً للتبريرات التي أُعطيت في تلك المرحلة.

يشدد نصرالله على التمسك بلبنانية المزارع، لكنه ليس مضطراً للجوء إلى تقديم الإثباتات، أو التدخل مع النظام السوري لتثبيت لبنانيتها، فلا مشكلة في ما إذا كانت لبنانية أم سورية. لكن هذا الكلام يؤشر، وفق السياسي الخبير، الى إمكان استخدام المزارع لاستهدافات إقليمية وهي مسألة تبقى مرتبطة بوظيفة السلاح والمقاومة، ولا بأس بتوحيد الجبهات بين سوريا ولبنان، طالما جرى توحيدها بالدم مع النظام السوري حين دخل الحزب الى هذه الساحة بتبريرات مختلفة ولا يزال منتشراً في سوريا. فلماذا يحيّد مزارع شبعا؟

يروي السياسي نفسه أن مزارع شبعا كانت حتى 25 أيار 2000، غائبة عن قاموس المقاومة، فالتركيز كان منصباً على الشريط الحدودي المحتل منذ 1978، وفي 1982، اذ كان القرار الدولي 425 يلحظ حدود الخط الممتد من الناقورة وصولاً الى تلال كفرشوبا بمساحة تقارب الألف كيلومتر مربع. أما اليوم وحين يرد نصرالله على الجميع بمن فيهم النائب السابق وليد جنبلاط بشأن المزارع وغيرها، فلتأكيد أنه مستمر بالاحتفاظ بسلاحه، وكأن النظرة الى المزارع بدأت تظهر ورقة للمرحلة المقبلة.

وللتذكير ان قضية مزارع شبعا بدأت تظهر الى العلن وتبرز بقوة الى الواجهة بعد تحرير المنطقة المحتلة من الجنوب وتحديد “الخط الأزرق” طبقاً لوثائق اتفاق الهدنة 1949، فتركَّز نشاط المقاومة في منطقة المزارع وتلال كفرشوبا، تحت عنوان ان هذه الأراضي لبنانية وينبغي تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي، وان القرار 425 لم يكتمل تطبيقه ما دامت مزارع شبعا محتلة. وتناغمت الدولة اللبنانية والحكومات المتعاقبة منذ العام 2000 حتى عام 2005 مع هذا التوجه.

أما احتلال مزارع شبعا فكان عام 1967، عندما كانت المنطقة خاضعة للسيطرة السورية بموافقة لبنانية. وقد وضعت سوريا مخافر في المزارع بطلب لبناني بعد عام 1958 لمنع التهريب، علماً أنها كانت تقر بلبنانيتها. ودفع احتلال الجولان السوري المحاذي للمزارع الأمم المتحدة الى حسم إدراجها تحت القرار 242، من دون بروز اي موقف لبناني يسمح بإبقاء منطقة المزارع في الخريطة اللبنانية، اذ كانت هناك خشية من ان تضع أي مطالبة بذلك لبنان أمام متطلبات الصراع العربي – الاسرائيلي وانعكاساته.

ومنذ تحرير القسم الأكبر من الجنوب اللبناني، باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، لم يقدم لبنان، ولا يملك، لسوء الحظ، حتى الآن العدة اللازمة والوثائق القانونية الرافعة لتغيير نظرة الأمم المتحدة، واستطراداً المجتمع الدولي من قضية المزارع، وهو أمر لم يكن بارزاً عند التدقيق في خط الانسحاب الاسرائيلي على طول الحدود الجنوبية، اذ يملك لبنان الاثباتات الضرورية والخرائط في شأن خط “بوليه – نيوكامب” العام 1923، وخط الهدنة للعام 1949، ما مكنه من استعادة ملايين الأمتار المربعة عند وضع “الخط الأزرق” عام 2000، رغم تحفّظه عن عدد من النقاط الحدودية. ويشير الخبير اللبناني إلى أن منطقة المزارع، التي لها وضع خاص منذ عام 1967، والتطورات التي حصلت فيها، تفرض على لبنان اعادة النظر في طريقة تعاطيه مع هذه المسألة نحو تصويب الخلل القانوني المرتبط بملفها.

اللبنانيون كانوا يشاهدون من وقت الى آخر دوريات قوات “اندوف” الدولية تجوب منطقة المزارع اللبنانية امتداداً من الجولان السوري المحتل، كونهما تابعين لمسؤوليتها انطلاقاً من القرار 242، وانطلاقاً أيضاً من ان اتفاق فصل القوات الموقَّع عام 1974 بعد حرب الاستنزاف السورية في الجولان، لحظت حدودها منطقة المزارع، باستثناء مزرعة بسطرة، وهي آخر مزرعة احتلتها اسرائيل عام 1972.

لم يحدث احتلال مزارع شبعا ردود فعل رسمية لبنانية طوال تلك المدة، ولم تظهر في وثائق الأمم المتحدة أي شكوى رسمية لبنانية بين عامي 1967 و1974. أما الاشارة الوحيدة التي ظهرت رسمياً فهي من خلال عدد من النواب خلال مناقشات البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة في لبنان بين العامين 1968 و1974، والتي اقتصرت على المطالبة بإثارة موضوع احتلال اسرائيل للمزارع ومساعدة مهجريها والمهجرين من منطقتي القنيطرة والحولة في الجولان المحتل وشمال فلسطين، والذين لجأوا الى بلدة شبعا.

لا يملك لبنان خرائط تثبت لبنانية مزارع شبعا، ذ لا تكفي الخرائط المحلية وحجج ملكية اللبنانيين لأراضي المزارع. فهل تكون المنطقة نقطة متفجرة لحسابات غير لبنانية؟