بري يرفع الصوت… و”موظفون في حجم نابوليون”!

رضوان عقيل – النهار

على وقْع مناقشات درس مشروع الموازنة في الحكومة التي لا تبدو على قلب واحد، استُنفرت سائر القطاعات للحفاظ على مكتسباتها المالية عندما وصل “موس” الاقتطاع المالي الى جيوبها، وهي لا تُعدَم وسيلة لتحريك الشارع والرأي العام، الى اطلاق التهديدات والتحذيرات من دون ان تدري ان استمرار البلد على هذا المنوال الاقتصادي سيؤدي الى وقوع الهيكل فوق رؤوس الجميع ولن ينجو منه أحد.




وعلى رغم سخونة النقاشات الدائرة في السرايا بين افرقاء الحكومة والتدقيق في تشريح بنود الموازنة ومندرجاتها، لم تخلُ مواقف بعض الافرقاء من الشعبوية، ولا سيما ان انظار الكثيرين بدأت تتجه منذ اليوم الى الانتخابات النيابية المقبلة وما هو أبعد منها. ويبقى الاخطر من كل ذلك صدور اصوات تُظهر امام المواطنين انها الأحرص على هذا السلك او تلك المؤسسة.

ليس ثمة راضٍ عن مسار الموازنة من العاملين في القطاع العام، بدءاً من القضاة والموظفين الكبار في مصرف لبنان، الى الضباط المتقاعدين واساتذة الجامعة اللبنانية والمصالح المستقلة وأعضاء الهيئات الناظمة، الذين بدأوا “يحسّون بـالسخن” حيال التعويضات والتقديمات التي يتلقونها ويستبسلون في الدفاع عن صناديقهم والذود عنها. وعلى هامش ما يدور في السرايا وقصر بعبدا في شأن الموازنة ثمة مسلسل تدور حلقاته في اكثر من مقر وعين التينة أشهرها.

الرئيس نبيه بري، وهو على رأس حركة سياسية، اضافة الى موقعه الدستوري على رأس المؤسسة التشريعية، هو اول المعنيين بالتدقيق في مسار تعاطي الحكومة مع الموازنة قبل وصولها الى ساحة النجمة. وقد تحوّل صالون عين التينة المسائي خارج الدوام الرسمي “هايد بارك” مفتوحاً لحلقات الموازنة وساحة لتلاقي المطالب من العسكريين والمدنيين وكبار الموظفين، من دون ان يعي اكثرهم الحقائق الاقتصادية في لبنان ويظنون أنفسهم كأنهم يعيشون في بلد يساوي حجم اقتصاداته النروج او سنغافورة.

ولا يخفي بري ضيقه من بعض المطالب وعدم استعداد اكثر من قطاع للقبول بخسارة اي أرقام مالية. وهو تلقّى على مدار الايام الاخيرة سلسلة من المراجعات من مختلف القطاعات، وتغصّ اجندته بسيل من المواعيد. وقد استقبل نقابة النحالين شاكين من تراجع انتاج العسل، وهذا أمر ليس بمستغرب ما دامت مئات الكسارات والمقالع في مختلف المناطق تقتلع الاشجار وتلتهم الصخور وتشوّه الطبيعة من دون ان يساهم اصحابها في دفع قرش واحد للمالية، ووزارة البيئة ولجنتها البرلمانية تشهدان على هذه الفضيحة.

القضاة من جهتهم يتمسكون بعائدات مخالفات السير وغراماتها، والعسكريون يحرصون على الحفاظ على كامل مكتسباتهم ومخصصاتهم، والعاملون في المصالح المستقلة لا يرغبون في التنازل عن قرش واحد، علماً ان بعضهم يتقاضى 16 او17 شهراً في السنة في شكل لا مثيل له في دول العالم، على قول بري.

ويتوقف عند مهندس على سبيل المثال تتم الاستعانة به في احدى الادارات عن طريق التعاقد، ويقدم المدير العام على تحديد راتبه من دون تحديد اي قواعد بين رفاقه، ويبرر هذا الاجراء بأن هذا المهندس يملك الاختصاص الفلاني في حقل ما. ويحضر موظفون كبار للقاء رئيس المجلس الذي يخرج بخلاصة ان اكثرهم يقدمون انفسهم وخبراتهم امامه على نحو يفوق إمكانات نابوليون بونابرت وما قدمه الى الأمة الفرنسية.

وعند اشتداد المراجعات وحساسيتها يحيل هؤلاء على وزير المال علي حسن خليل الذي لم يستوعب ضخامة مخصصات كبار الموظفين، ولم يتقبل ايضا إضراب الاتحاد العمالي العام ولا الرواتب الخيالية لموظفي مصرف لبنان وادارات اخرى. وفي زحمة هذه التحديات التي تنتظر البلد، يرفع بري الصوت امام زواره وعلى مسمع موظفين كبار في الدولة: “امام الحكومة ومختلف الافرقاء فرصة سانحة للحفاظ على البلد. واذا لم يتم تلقف هذا الأمر والقبول بتنازلات من الجميع، فإن البلد يتجه نحو الغرق”. ولا يكتفي بري بهذا القدر من التحذير، بل يضيف الى كلامه الناري عبارة “احذروا”. أي ان البلد وصل الى الخط الأحمر.