//Put this in the section //Vbout Automation

مشاريع ثقافية كبرى! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في بحور وعوالم الثقافة هناك مَن يكتب لأجل الكتابة، وهناك آخرون يكتبون لأجل هدف واضح ضمن مشروع فكري متصل، وهؤلاء هم نخبة مميزة.

فراس السواح، الكاتب الأنثربولوجي السوري الذي تخصص بشكل مبهر في عالم الإنسان وحضاراته وعلاقاته بالمجتمع والدين والتراث، له 24 إصداراً مبهراً في مسيرة تجاوزت الأربعين عاماً من الإنتاج الغزير، ختمها بالتدريس الأكاديمي في إحدى أهم جامعات الصين. ويعود الآن ويستعد لإصدار كتابه الخامس والعشرين الذي من المتوقّع أن يثير موجة كبيرة من الجدل، بحسب ما قال لي ناشره هناك. مواطنه الآخر، منذر الحايك، أصدر سلسلة مبهرة من الكتب عن العلاقات الدولية والأديان بمختلف أشكالها، وغاص في كتبها ومعتقداتها وقيمها وصولاً لعلوم الأديان المقارنة، وهو جهد أقل ما يقال عنه إنه أخّاذ ومبهر ويدعو للاحترام. وهناك مشروع المفكر السوري محمد شحرور لتقديم قراءة معاصرة للقرآن بمفهوم جديد ومنهجية مدهشة لاقت قبولاً عريضاً لأنها تحترم العقل ولها قاعدة راسخة يبني عليها الحجة بالمنطق. وهناك الفيلسوف المصري حسن حنفي، وهو يقدم مشروعاً قيمياً وفلسفياً للدين الإسلامي عبر سلسلة كتب عديدة، ولا ينفي تأثره بالفكر اليساري، وإسقاط ذلك على ما كتب.




أيضاً هناك المفكر المغربي الفذ محمد عابد الجابري الذي تناول النص القرآني من زوايا تراثية، وفتح باب فهمه بشكل جديد، ويتحدى فيه الأسلوب التقليدي للتفسير. وطبعاً لا يمكن إغفال ولا إنكار المشروع القرآني المميز للمفكر الجزائري السوربوني محمد أركون، الذي حاول قراءة القرآن بتفسير حداثي وخارج صندوق التقليد. وهناك المفكر المصري المهم جداً نصر حامد أبو زيد، الذي قدم مشروعاً متكاملاً من خلال كتبه وأطروحاته يتعلق بالانفتاح على تأويل القرآن واعتماد التأويل على مصدر للعلوم في تفسير القرآن. وهناك اللبناني الفرنسي أمين معلوف، الذي وظّف أحداثاً تاريخية حقيقية في البناء الروائي لتعريف الإضاءات وإسقاطها على ثقافات الحضارات العابرة للحدود.

هذه المجموعة ما هي إلا مجرد أمثلة لمفكرين محترمين قضوا جل وقتهم في بناء منظومة فكرية منسجمة ومتصلة ضمن مشروع ثقافي متكامل أثروا به الساحة، على الرغم من تعرضهم لموجات عارمة من التشكيك والتخوين والاتهامات المعدة سلفاً. ومع الوقت، انتصر المشروع وخُلدت الكلمة واستفاد من طرحهم الجريء كثير من المهتمين، وبالتالي كان لهم الأثر الإيجابي.

مهما كان الانتشار «الحالي» لثقافة التغريدات، فإن العمق المؤثر يبقى للمضمون الثقيل؛ فهناك فرق شاسع بين وجبة أُعِدّت على عجالة في «المايكرويف» ووجبة تم طبخها على نار هادئة ولساعات طويلة. المشاريع الثقافية الكبيرة للمفكرين الثقال هي إحدى أهم ترسانات السلاح التي يُواجه بها التطرف والتشدد والتنطع والإرهاب والعنصرية، فائدتها عظيمة… شجّعوها ولا تصدقوا مَن يحذر منها.

هناك حاجة ماسّة لمشاريع ثقافية كبرى في مجالات اجتماعية واقتصادية للتحدث عن عالم ما بعد النفط وعالم التركيبة الشبابية للمجتمعات وعالم التحديات الجديدة، وهي مناطق لم يتم التطرق إليها بالقدر الكافي ولا العمق المطلوب.