جنبلاط لن يترَجَّل عن فَرَس المواجهة!

مجد بو مجاهد – النهار

تفرض المستجدّات الميدانية نفسها على العلاقة غير المستقرّة هذه الأيام بين الحزب التقدمي الاشتراكي و”حزب الله”، ما يحتّم على المكونين الدخول في متاهات وأنفاق سياسية يصعب الخروج منها، وكأن المسألة باتت شبيهة بمتاهة معمل عين دارة أو نفق الشويفات المكتشف حديثاً الذي ربط شعبوياً بـ”باحثين عن مناجم ذهب” من جهة، وفق رواية عدد من أهالي المنطقة، وسياسياً بـ”حزب الله” من جهة ثانية، فوصلت بعض النعوت إلى حدّ وصفه بـ”النفق الحربي”. يستوجب الحرص على الابتعاد عن التضخيم والمغالطات إلى الاقرار بأن النفق المكتشف في محيط منطقة دير قوبل، لا يتجاوز الـ25 متراً، ما يعني أن ما حكي عن عزم لتطويق الجبل أو الالتفاف حوله من قبل الحزب مجرّد أخبار مضللة ومبالغ فيها، من منطلق أوساط سياسية مواكبة، فالجبل لا يمكن تطويقه بنفقٍ أو بـ”حفرة” كالتي تم اكتشافها.




ولا تنفي الأوساط السياسية أن يكون الهدف المحتمل من النفق المكتشف تخزين أسلحة أو تخبئتها على قاعدة التوسع والتمدد في نطاقٍ أشمل من مناطق نفوذ الحزب. وهنا تتساءل الأوساط عن أسباب تأخير تفجير النفق مدّة 15 يوماً قبل المباشرة في العملية؟

وتستبعد الأوساط العليمة في تضاريس الجبل وبيئته فرضية “الالتفاف حول الجبل” التي سادت في الأيام الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار أن قدرة الحزب على التمدّد عبر الأنفاق تقتصر على المناطق المتاخمة لمناطق نفوذه الجغرافي، فلا يمكن استباحة الجبل، علماً أن الأوساط نفسها تستدرك تعليقها معقّبةً بضحكة: “لكننا في المنتصف بين الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، اذاً إننا محاطون من الاتجاهات كلّها!”.

قد لا يحتاج نفق الـ25 متراً الإفراط في التحليل والقراءة بقدر ما يستوجب ما وصل اليه دهليز السنوات الأربع عشرة في العلاقة بين جنبلاط و”حزب الله” إلى التمحيص بعد حدث 14 آذار 2005 الذي نجح فيه جنبلاط بامتطاء فرس المواجهة وحيازة لقب “الفارس الثوري”، الذي لم يترجّل حتى يومنا رغم كلّ الصعوبات التي واجهها وهو يسير في ممرات أحجية اللعبة الإقليمية والدولية، مفكّكا العقدة تلو الأخرى. فعلى أي نوعٍ من المواجهات يقبل هذه المرّة في ظلّ رفضه التنازل عن بوابة عين دارة، وهذا ما ورد في مواجهته الافتراضية الأخيرة، مغرّداً: “لا عجب ان يصدر قرار من هيئة قضائية باستباحة الطبيعة في محمية أرز الشوف والأملاك الخاصة لعين داره. يبدو ان البلد كله مستباح لخدمة الممانعة من الكسارات وصاعداً. حتى إن ذكر إعلان بعبدا اصبح جريمة. لكننا سنستمر في المواجهة السلمية المدنية ونتحدى تزوير الحقائق من أجل لبنان أفضل”.

تقول الأوساط نفسها إن كلام جنبلاط دقيق لناحية عدم التراجع عن إلغاء ترخيص معمل عين داره. أما العلاقة مع “حزب الله” فهي مناطة بعاملين: ثمة حذرٌ ليس جديداً على الصعيد الأهلي بين “حزب الله” والحزب التقدمي. أما على الصعيد السياسي فالواقعية قائمة على قاعدة تنظيم الخلافات من دون الخلط في المواقف وتأييد مبدأ النأي بالنفس والخطة الدفاعية. وتستقرئ الأوساط أن يرتفع سقف المواجهة ثم ينخفض، وهذا طبيعي بالنسبة إلى العلاقات السياسية عموماً، وهذا أيضاً ما حكم علاقة المكونين طوال فترة سابقة. ولا تخفي أن جنبلاط يعتبر أن ثمة استباحة لبيئة الجبل واقتصادياته، و”يا ريت” أن “حزب الله” هو من يريد معمل عين داره، بل إن الكسارة المشوّهة تصبّ في مصلحة النظام السوري وحلفائه بشكلٍ مباشر.

أن يقف “معمل ترابة” كحجر عثرة يؤدي إلى انقطاع علاقة مكونين سياسيين عُرفا على مدى سنوات بمرونة مطلقة في التعامل السياسي الهادئ واتقانُ لرقص التانغو سوياً رغم كل الظروف المحيطة على مسرح النيران الإقليمية، فهي مسألة مثيرة للاستغراب. كلّ من الطرفين “يقف على سلاحه السياسي” حتى اللحظة، لكن الأوساط تتوقع أن تنفرج العلاقة قريباً على قاعدة أن لدى “حزب الله” مشاكل واسعة لا تقتصر على التقدمي، بل إن مشاكله متعددة الجهات والمناطق والتقدمي ليس مزعجاً بالنسبة إلى الحزب لهذه الدرجة ويستطيع نسيان قصة المعمل لكن ما لن ينساه هو “الكونسورسيوم السوري – اللبناني”، على حدّ وصف الأوساط التي تؤكد أن التقدمي لن يتراجع أبداً عن قرار الغاء ترخيص المعمل.

ويبقى السؤال عن وجهة سير المواجهة الجنبلاطية – السورية المستمرة. ألم يئن الأوان بعد إلى قليل من المهادنة؟ في رأي الأوساط، ليس ثمة تخوفاً من المزيد من الضغط على الجبل من النظام السوري في ظلّ افلاس اقتصادي – سياسي في سوريا بعد “النجاة العسكرية” التي لحقتها أزمة سياسية – اقتصادية قوامها أن لا حل سياسياً ما يعني أن لا عودة ولا أموال، بل أزمة اقتصادية، يعني أن السلطة السورية غير موجودة في رأي جنبلاط بل يصحّ القول فيها بأنها سلطة أكثر من ضعيفة.