//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

قصتي بكتابة محمد بن راشد المكتوم – مروان اسكندر – النهار

منذ بضعة اسابيع استرعى انتباهي اعلان عن كتاب امير دبي ونائب رئيس وزراء دولة الامارات العربية المتحدة والرجل من القادة القلائل الذين دفعوا ببلدانهم الى سياسات الانماء والانجاز، وكنت قد زرت بلاده اربع مرات اولها سنة 1963 حينما انتقلت الى دبي من مشيخة ابو ظبي حيث كنت في زيارة عملية لدى توظيفي في شركة الكات للتعهدات في مكتب رئيس الشركة اميل البستاني الذي غاب عنا في تلك السنة.

زياراتي الثلاثة الاخرى لدبي كانت خلال السنوات العشر المنصرمة اولاً للاستمتاع بعطلة رأس السنة وثانيًا لتوقيع كتاب، وثالثًا لزيارة ابني وزوجته حيث اقاما في دبي لسنتين انجز خلالهما سامر اطروحته للدكتوراه في علم الاقتصاد واستقصاء اسباب تحرك الاسواق المالية.




خلال كل زيارة كان هنالك تطور جديد اضافي ولافت من الابنية الشاهقة، والفنادق الضخمة، والطرقات المنظمة والمطار الفسيح والمنتظم. عند الزيارة الاولى كانت دبي قرية مدينة تجارية تحوطها رمال الصحراء، وعند زياراتي الاخيرة كانت دبي تستقطب الاستثمارات والشركات وتعج بالصناعات، وحركة طيران تتجاوز كل ما عرفناه في منطقة الشرق الاوسط، وتسهيلات للسفر الى دبي او عبر دبي واصبحت بين جميع البلدان العربية البلد الذي يستقطب اكبر عدد من السيّاح، يقبلون للتمتع بالسباحة، الاشتراك في مسابقات دولية، سواء للخيول، او ممارسة لعبة الغولف، او للاستماع الى مشاهير المطربين العالميين والعرب، او الاشتراك في مؤتمرات تركز على الاستثمار وحسن الادارة ووسائل تكريس الادارة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وساد جو دبي شعور بالامن والأمان.

كتاب محمد بن راشد يبين مراحل البناء على مدى خمسة عقود، والقناعة التي كانت سبب المبادرة في بناء المرافئ لتسيير الاستيراد والتصدير والاعمال التجارية التي تنامت وتنوعت مع تطور الاسواق الدولية والبلدان المحيطة وبالتالي كانت دبي منفذًا للاستيراد والتصدير واستقطاب الشركات الكبرى وتنمية قدرات التجار من المواطنين والبلدان القريبة كالسعودية والبحرين وابو ظبي والشارقة وعجمان وام القيوين الخ…

يعود بنا الكاتب الى بداية ترسيخ القناعة بمنهج النمو وتوسيع نتائج النجاح فيعرفنا الى صاحب الفضل الاكبر جده الشيخ سعيد بن مكتوم الذي حكم 46 عامًا امارة دبي وهو الذي بدأ رحلة تحديث دبي وتوفي في العاشر من ايلول عام 1958.

يقول الكاتب، عُرف الشيخ سعيد بسعة صدره، متعاملاً مع الشدائد بحكمة وصبر ورزانة. على رغم الصعوبات التي مرت بها فترة حكمه. نجح جدي في الحفاظ على مكانة دبي، كإمارة حيوية ومحطة تجارية مهمة لما حولها.

عند انهيار تجارة اللؤلؤ في الثلاثينات اثر ابتكار اليابان اللؤلؤ الاصطناعي واجهت دبي ازمة اقتصادية خاصة وان العالم عانى من ازمة كساد استمرت حتى عام 1934، فكان على الشيخ سعيد البحث عن البديل “وسرعان ما استعادت الحركة التجارية في دبي نشاطها، لتحقق الامارة في الاربعينات استقرارًا اقتصاديًا عبر تنويع مصادر الدخل وتحسين الخدمات، وتطوير الميناء والنقل البري، وفي كل ذلك كان للشيخ راشد الابن دور كبير في اعادة الانتعاش للحياة الاقتصادية في دبي. فولي العهد الشاب كان الساعد الايمن للشيخ سعيد، ورافقه في شتى مراحل بناء دبي، واعادة ابتكار نفسها والانطلاق من جديد لتوفير حياة افضل لشعبها ولكل من جاء طالبًا رزقه فيها”.

كان الشيخ سعيد مدركًا لاهمية العلم في الحياة واستقرار المجتمعات ولذلك “اعلن الشيخ سعيد انشاء دار للمعارف في دبي عام 1938 تولت منذ ذلك الوقت الاشراف على التعليم والانفاق عليه، قبل ان تشهد الخدمات التعليمية قفزة نوعية في الخمسينات”.

يقول الشيخ محمد بن راشد: “كان جدي محور حياتي فقد امضيت معه معظم ايام طفولتي. كنت اتساءل وانا ارى الجموع تتوافد الى بيتنا من كل حدب وصوب لتقديم التعازي، ما يعنيه كل ذلك، وبدأت اشتاق لجدي”.

راشد بن سعيد آل مكتوم، والد الشيخ محمد كاتب الكتاب كان المدرس في العالم والسياسة ووسائل الحكم الناجعة. كان قائدًا مقتدرًا وفي الوقت ذاته ابًا يعتني بعائلته وبالغ العطف والتقدير لزوجته وحين توفيت لطيفة اصابه الحزن وابعده عن ممارسة مهماته حتى انقضاء وقت والخضوع للمعالجة في لندن.

قيادة الشيخ راشد كانت نتيجة تطور انساق الاعمال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحقيق مقدار من الازدهار والاستقرار في دبي تستند الى ثلاثة معايير يطبقها في كل يوم من حياته بعد استيقاظه مع صلاة الفجر وهذا ما يقوم به اليوم الشيخ محمد بعد استيقاظه في الوقت ذاته.

كان الشيخ راشد يجني فائدة اساسية من ادراك المسؤولين عن المشاريع انه سيمر عليهم للاستفهام عن التقدم في المشاريع والفائدة الثانية تجلت حين يدركون انه يعرف كل التفاصيل، وزياراته كانت تحفز المسؤولين على متابعة اعمالهم بنشاط والتزام، والفائدة الثالثة التقيد بجداول الانفاق وفترات الانجاز، وبالتالي جولاته كانت رسالة للموظفين ودرسًا للإداريين والقياديين. كان الشيخ راشد احرص الناس على سمعة دبي بانها تسدد دفعاتها للمقاولين واصحاب المشاريع بشكل منتظم، وكان يقول ان رأسمالنا الحقيقي هو سمعتنا مع التجار، وفي المقابل لم يكن يقبل ابدًا اي ممارسات للتلاعب بالقوانين او تجاوز القواعد المعمول بها.

يبين الشيخ محمد ان فترة حكم والده تميزت بكثرة المشاريع التي تضمنت توسيع خور دبي وتعميقه (المرفأ القديم) وشركة هاتف دبي، وشركة الكهرباء، ومطار دبي، والتحسينات التي اجراها على مستشفى المكتوم، وغيرها من المشاريع وهذه فكرتي عن الحاكم، هو شخص يتحرك، ويبتكر، ويبني، ويخدم الآخرين” وكل ذلك يفيد في بناء البلد وتمكينها من ترسيخ اسس وآفاق نجاحها.

“تعلمت من راشد (يقول محمد بن راشد) منذ نعومة اظفاري بان القائد هو الشخص الاكثر نشاطًا والاقدر على تنفيذ المشاريع بكل كفاءة. تعلمت من راشد بان كل درهم في دبي له قيمة كبرى ولا يتم صرفه الا في مكانه الصحيح. ثقافة الحكم رسمها راشد بن سعيد هي ثقافة تقوم على صرف المال بحكمة والابتعاد عن التبذير الحكومي ايًا كان شكله”.

مباحثات الوحدة ما بين ابو ظبي ودبي كانت تدور ما بين والدي الشيخ راشد بن سعيد والشيخ زايد بن سلطان، امير ابو ظبي وكان اكتشاف النفط قد تحقق في ابو ظبي منذ سنوات وظهر حجم احتياطات ابو ظبي على انه موفور. بالمقابل كان هنالك مساعٍ من شركة اميركية صغيرة نسبيًا لاكتشاف النفط في دبي وقد تحققت اكتشافات في مياه دبي. لكن الكميات كانت محدودة ولم يكن من الممكن دفع النمو بالاعتماد على الثروة النفطية، وكان اعتماد الشيخ راشد ومن بعده وبعد وفاة ولي عهده مكتوم المكتوم الذي كان قريبًا من محمد واقنعه بان يقبل ولاية العهد سار محمد على منهاج ابيه وجده بتشجيع التجارة وانشاء المشاريع وتوسيع عمل المؤسسات.

عام 1968 طلب الشيخ راشد من ابنه محمد الذي كان يتابع دروسًا في معهد للعلوم الحربية في بريطانيا ان يطير الى دبي ولو لفترة قصيرة.

حين وفد محمد الى دبي ابلغه والده ان محادثات الوحدة مع ابو ظبي متطورة وان عليه بعد تخرجه من معهد الدراسات الحربية في انكلترا العودة وتولج مسؤولية انشاء جيش للوحدة.

قبل 1968 كان محمد بن راشد يتابع علومه ويتلقن فنون التعايش مع الصحراء والامواج واطباع المواطنين ولم يكن له دور سياسي، بل هو انشأ قوى البوليس وارسى قواعد عمل قوات حفظ الامن وسبل التعامل مع المواطنين بتهذيب انما باصرار على قمع المخالفات، ولا زالت هذه الصورة متبقية وان اصبحت اوسع نطاقًا مع توسع استعمال ادوات الضبط الالكترونية سواء لضبط السير او التعديات ان في شوارع دبي ام ابنيتها.

تولج مسؤولية تحضير برنامج بناء جيش للاتحاد وتجهيزه بأفضل المعدات المناسبة للصحراء كان مسؤولية كبيرة وقد وجب على الشيخ محمد بعد تخرجه من كلية حربية بريطانية مميزة التعاون بشكل وثيق مع امير ابو ظبي الشيخ زايد بن سلطان اضافة لوالده الشيخ راشد بن سعيد وشقيقه ولي عهد دبي مكتوم المكتوم.

ان هؤلاء القادة الشيخ زايد بن سلطان، والشيخ راشد بن سعيد كان لهما التأثير الاكبر على منهجية وتطلعات الشيخ محمد كما ان شقيقه ولي عهد دبي مكتوم المكتوم كان قريبًا منه الى حد بعيد لانه كان لطيفًا ومحبًا للشيخ محمد وبعد تولجه الحكم اثر وفاة الشيخ راشد عام 1990 اصر على توليه الشيخ محمد ولاية العهد، وقد توفي بعد اربعة عشر شهرًا من تولجه القيادة.

اي بحث في شخصية الشيخ محمد بن راشد المكتوم لا يكون مكتملاً ما لم يشمل علاقته بوالدته الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، سواء لتأثره بارشاداتها او انتباهها له عند تهيئة طعام الصباح قبل توجهه الى المدرسة وكلماته عند غياب والدته تعبر عن العلاقة الوثيقة بين الابن والام والوالد.

توفيت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان في شهر مايو من عام 1983 وكانت صدمة موجوعة ومؤلمة لاولادها وزوجها وشعب دبي الذي احبها. “فالشيخة لطيفة كانت تعالج مريضهم، وتداوي صغيرهم، وتواسي فقيرهم، وتسمع لنسائهم، وتشاركهم افراحهم واتراحهم، كنت اراها (يقول الشيخ محمد) عندما تشرف على اعداد الطعام تأبى الا ان تشارك الجيران والاقارب والضيوف طعامنا”.

حينما توفيت الشيخة لطيفة – يقول الشيخ محمد – “فقدت امي، فقدت حبيبة قلبي، فقدت نظر عيني، وفقد ابي شريكة حياته، وسنده وحبه وصديقته ورفيقته وحبيبته بعد اكثر من اربعين عامًا معها. فقد ابي امي التي كانت ترفض ان يُعد فطوره احد غيرها. كان يتفقد المشاريع ثم يعود ليفطر مع امي ويحدثها. من سيعد فطوره؟ من سيحدثه بعدها؟”

“صدمة والدي غياب امي عصف به.. هو الراسخ الوقور، الجبل الذي لم يكن يتزعزع امامنا. واصبحنا خائفين على والدي”.

علاقة الام بابنها كانت فريدة علمته الكثير عن الخيول واعتنت بأول فرس حظي بها، وكانت تزوده بأوراق ليكتب ملاحظات عن الخيول، والنباتات التي تصلح كأدوية مختارة، وفقدانها عصف بالابن كما بالوالد لكن تحمل الوالد كان اثقل بسبب عمره واشغاله.

بعد وفاة شقيقه مكتوم المكتوم تولج الشيخ محمد بن راشد مسؤوليات قيادة دبي ورئاسة وزراء الاتحاد ومسؤولية تنمية دور دبي التي كانت محظية بمشاريع والده، ومن هذه انجاز منطقة وميناء جبل علي سواء للتجارة الحرة واستجلاب الشركات الكبرى، والميناء اصبح الاكبر في المنطقة او الانسب لعمل الشركات الدولية وهنالك اليوم في منطقة جبل علي 7000 مؤسسة تجارية، اعلامية، خاصة بالنقل البحري والبري والصناعات على مختلف انواعها، ومنها صناعة اليخوت.

الشيخ محمد شجع تطوير المسابقات الدولية سواء للخيول او التنافس بين ابطال الغولف، او سباقات الزوارق السريعة وربما افضل دليل على ما حققته دبي في اطار الوحدة اطلاق اتحاد الامارات العربية المتحدة مسبار لاكتشاف خصائص القمر.

لقد نقل الشيخ محمد بن راشد دبي من عصر التجارة على الجمال المحملة الى عصر التكنولوجيا الحديثة المتطورة ومكن مؤسسات في دبي من اختراق الاسواق العالمية فأصبحت الشركة المختصة بإدارة المرافئ متعاقدة على تسيير 85 مرفأً في العالم، وشركة الطيران الاماراتية تنقل 90 مليون راكبًا سنويًا ومن هؤلاء 18 مليونًا يفدون كسيّاح الى دبي، واصبحت الامارات تحظى بموقع متقدم بين الشركات العالمية وهو اصر على سياسة الاجواء المفتوحة لتشجيع الشركات في مجال الطيران استعمال مطار دبي الذي تجاوزت طاقته لحاجات المسافرين ما كان مطار لندن يحققه منذ عام 2014. والدخل القائم للامارت يبلغ 27 مليار دولار، اي نصف حجم الدخل القومي المقدر في لبنان.

الشيخ محمد بن راشد، بدعم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يتشاركان في انهما انجح حاكمين عربيين في تحقيق الرفاه لشعبهما وتأمين استمرارية الآمان والنمو وتشجيع المبادرات الثقافية وخوض مشاريع التطبيق للذكاء الاصطناعي والمحافظة على اتحاد تحقق اوائل السبعينات ولا زال يتمتع باسباب النجاح والنمو.