//Put this in the section
اميل خوري - النهار

مَنْ المسؤول عن أسباب الانهيار وجَعْلِ لبنان يواجه السيّئ والأسوأ؟! – اميل خوري – النهار

هل كُتب للبنان ولا سيما من العام 2005 أن يختار بين السيئ والأسوأ عند مواجهة الأزمات السياسية أو الأمنية أو الاقتصاديّة والماليّة، في حين كان قبلاً يختار بين الحسن والأحسن؟ ففي الانتخابات الرئاسيّة استطاع مَنْ فسّروا الدستور على هواهم التغيّب عن جلسات انتخاب رئيس الجمهورية من دون عذر مشروع لتعطيل نصابها ووضع البلاد بين خيارين: إمّا انتخاب الرئيس الذي يريدون، وإمّا لا رئيس بل فراغ قاتل يذهب بالبلاد إلى المجهول. وفي تأليف الحكومات استطاع هؤلاء فرض تأليف حكومات “وحدة وطنيّة” وإنْ بالإسم لتأمين تمثيلهم فيها كي يلعبوا دور المشاكس وتعطيل صدور أي قرار لا يعجبهم أو لا يعجب مَنْ هم وراءهم في الداخل أو في الخارج، وإلّا فلا حكومة بل تعطيل عمل السلطة التنفيذية. فصار تأليف مثل هذه الحكومات الفاشلة وغير المنتجة قاعدة وليس استثناء. وفي الانتخابات النيابية، استطاع هؤلاء أيضاً فرض القانون الذي يخدم مصالحهم كي تجرى الانتخابات على أساسه، وإلّا فلا انتخابات بل تعطيل عمل السلطة التشريعيّة. وخُيِّر لبنان أمنياً بين أن تحفظ الأمن فيه قوات الدولة وحدها أو قوات مستعارة تُخضع لبنان لوصاية خارج، أو مشاركة قوات غير شرعية القوات الشرعية في حفظ الأمن، وإلّا ظل الأمن هشّاً والاستقرار سريع العطب. أمّا اقتصاديّاً وماليّاً فقد وُضِع لبنان بين خيارين أحلاهما مرّ تجنّباً للانهيار: إمّا زيادة الضرائب، وإمّا خفض الرواتب المرتفعة توصّلاً إلى خفض العجز المرتفع جدّاً.

والسؤال المطروح ولا جواب عنه حتّى الآن هو: ما هي الأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليها، ومَنْ هم المسؤولون عن ذلك حتّى صار الكلام على الانهيار لتبرير زيادة الضرائب أو خفض الرواتب، والكلام أيضاً على الإفلاس وبلسان الرئيس ميشال عون وبمصير كمصير اليونان بلسان الرئيس سعد الحريري؟




إن خطأ تقدير كلفة سلسلة الرتب والرواتب وعدم إجراء الاصلاحات التي تعهّد لبنان إجراءها في مؤتمرات باريس، كان الخطوة الأولى على طريق الانهيار، فصار مطلوباً الآن تنفيذ الاصلاحات قبل الحصول على مساعدات مؤتمر “سيدر”. فهل يصير اتفاق داخل الحكومة وخارجها على تنفيذها ليكون لها غطاء سياسي، أم يصير خلاف فيكون عندئذ الانهيار بل الإفلاس لا سمح الله؟ فلو أن السلطة نجحت في مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين لما كانت الآن في حاجة إلى “مكافحة” الرواتب والتعويضات والمخصّصات لأنها هي الأسهل، ولما كان يُخشى حصول خلاف حول أيّ من هذه الرواتب والتعويضات والمُخصّصات يجب خفضها عوض خفض عدد الموظّفين وقد زاد كثيراً عن الحاجة، خصوصاً بعد التوظيف العشوائي الأخير. ولو أن السلطة اتخذت قبل سنوات إجراءات تقشفية عند وضع مشاريع الموازنات، وقد بدأت بها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قبل استقالتها وفيها إجراءات شبيهة بالتي تُقترح اليوم في مشروع موازنة 2019… ولو أن موازنات السنوات الأخيرة عملت جديّاً على خفض العجز من أبوابها الصحيحة، لما كانت السلطة اليوم في حاجة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية موجعة، ولما كان العجز تفاقم إلى حدّ لم تعد تنفع معه المسكّنات بل العمليات الجراحية التي قد تكون لها مضاعفات. فليت السلطة لم تزنِ بالأمس كي لا تتصدّق اليوم، خصوصاً في زمن قلَّ فيه الخير وكثر فيه الشر.

لقد دلَّ البطريرك الكاردينال الراعي السلطة إلى سد أبواب الهدر، والسلطة تعرفها، كما دلَّ إليها وزراء ونواب داخل المجلس وخارجه وفي وسائل الإعلام، وتبيّن أن الهدر فيها بالمليارات، لكن السلطة هربت مما هو أصعب إلى ما هو أسهل، وهو إمّا زيادة الضرائب أو خفض الرواتب، فأثبتت أنّها سلطة عاجزة والإفلاس هو إفلاس سياسي وإفلاس عقول، فكانت السلطة مثل جحا “لا يقدر إلّا على خالته”…

إنّ اللبنانيّين مستعدّون لتحمّل وجع ساعة بإجراءاتها التقشّفية، ولكن مَنْ يضمن لهم مع هكذا طبقة سياسيّة وسلطة حاكمة ألّا يتحوّل وجع ساعة مرة أخرى إلى وجع كل ساعة، ولا تقوم للبنان قيامة لأنّ لا أحد يريد دحرجة الحجر عن قبره؟!