//Put this in the section

الراعي في رسالة الفصح: للتوجه إلى الأغنياء قبل مطالبة المواطنين الرازحين تحت أعبائهم المالية

شدد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي على ان “الكنيسة لا تنتظر مديحا من بشر، بل تطالب الدولة بالقيام بواجباتها تجاه الذين تتحمل أعباءهم المالية وهم في عهدة مؤسسات الكنيسة”.

واضاف الراعي في رسالة الفصح:”من واجب الدولة دعم هذه المؤسسات ومثيلاتها في لبنان، لأنها ذات منفعة عامة لكونها تساعد الدولة في القيام بمسؤوليات تعود إليها، وهي عاجزة عن إنشاء مثلها وبمستواها العلمي والصحي والتقني والإداري والإنمائي. بهذا الدعم تنخفض الأعباء المالية والأكلاف عن كاهل المواطنين الذين ينعمون بخدماتها.”




وتابع البطريرك الماروني: ” لقد صلينا ونصلي لكي يفتح رجال السياسة والمسؤولون في الدولة قلوبهم ونفوسهم، بروح التوبة، فيخرجون من عتيق مسلكهم وتصرفاتهم، ومن أسر مصالحهم وحساباتهم وحصصهم وأفكارهم المسبقة، ومن حالة اللاثقة في ما بينهم، ويدخلون جديد القيامة، ويجتهدون في درس المشاريع الإنمائية من كل جوانبها وعدم فرضها على المواطنين قسرا، كما يجتهدون في رفع الظلم والهموم والحرمان والجوع عن الشعب اللبناني الذي يعبر عن مطالبه بكل أسف بإضرابات وتظاهرات واعتصامات وقطع طرقات وحرق إطارات، تأتي بالضرر على المواطنين ومصالح الدولة وسمعة لبنان.”

وقال: “فلنتذكر، ونحن على عتبة الاحتفال بالمئوية الأولى لإعلان دولة لبنان، كيف أن السياسة اللبنانية تمكنت في النصف الأول من تكوين دولة جعلت من لبنان سويسرا الشرق ومحط إعجاب العالم، إذ قوى اقتصاده وأقر الحريات العامة وعممها وحماها، وعزز التعددية في الوحدة، وبنى صحافة فاخر بها شعوب المنطقة. ولقد فعل ذلك، فيما كانت الدول المحيطة تتخبط في انقلابات متتالية ونشوء أنظمة ديكتاتورية وقمعية وأحادية.”

واشار البطريرك الماروني في رسالته الى انه “ابتداء من منتصف السبعينات، بعد ما جرى من حروب واحتلالات وهدم وتهجير وصولا إلى تعديلات مؤتمر الطائف الجوهرية في النظام السياسي الذي أسيء تطبيقه نصا وروحا، وبعد نهاية الاحتلالات، لم تعرف الجماعة السياسية، أو لم تشأ أن تبني دولة عصرية تعود بلبنان إلى سابق عهده. وهيهات أن يعود إذا ظل النهج السياسي إياه!”.

واضاف: ” لقد قام لبنان، خلافا لجميع دول المنطقة، على إحلال المواطنة السياسية محل المواطنة الدينية، كأساس للعيش المشترك المسيحي-الإسلامي. وهي ميزة ناضل في سبيلها خادم الله البطريرك الياس الحويك في مؤتمر فرساي للسلام سنة 1919، وقال فيه مقولته الشهيرة: طائفتي لبنان. وعلى أساسها قامت الدولة بمؤسساتها وازدهرت. أما ما نشهده اليوم، بكل أسف، فهو إحلال المواطنة الدينية محل المواطنة السياسية، الظاهر في الحكم المذهبي في الوزارات والإدارات العامة، اضافة إلى شبه دويلات طائفية ونفوذ حزبي في المناطق، وتدخل سياسي في الإدارات العامة والتعيينات، حشو وزبائنية، وفي القضاء. اضافة إلى تجاوز بعض الأجهزة الأمنية صلاحياتها والقوانين حتى التدخل في ما هو من صلاحيات الجهاز القضائي”.

ولفت الراعي الى ان “كل هذه الأمور أضعفت الدولة وأفقدتها هيبتها، وفكفكت تراتبية السلطات الدستورية واستقلاليتها، وأدخلت الفساد الشامل، وبددت المال العام، وأوقعت البلاد في دائرة الخطر على المستوى الاقتصادي والعجز المالي وتنامي الدين العام. فلا بد من إصلاح سياسي أولا على ضوء تجربة المئة سنة، وما جرى ويجري في بلدان المنطقة، والسعي إلى إحلال نظام إقليمي جديد يعمم السلام من حولنا، ويحد من أطماع القوى الكبرى، فلا نكون مساحة لطموحاتها. ”

وفي سياق متصل لفت الراعي الى انه و في سياق العمل على تنظيم عملية التقشف، “يجب أولا إقفال أبواب الهدر العديدة، وجمع أموال الدولة من مرافقها ومرافئها والضرائب والرسوم، وضبط التهريب والاستيراد غير المشروع، والتوجه إلى الأغنياء والقادرين قبل مطالبة المواطنين الرازحين أصلا تحت أعبائهم المالية، منعا لاتساع دائرة الفقر ولإذكاء ثورة الجياع.”

وتابع “إن عملية التضامن المشكورة التي قام بها كثيرون من أفراد ودول وسخوا بمساهماتهم المالية من أجل إعادة بناء كاتدرائية نوتردام في باريس التي دمرها الحريق الهائل في معظمها وهز مشاعر الدول والشعوب، واعتبرت خسارة عالمية، تدفعنا للتساؤل: ألا يستحق لبنان المهدد إقتصاده وماليته بالانهيار أن يقوم المتمولون الكبار من أبنائه المقيمين والمنتشرين بالتبرع لصالح خزينته، تجنبا لانهيار هيكله على الجميع؟”.

وشدد على انه ” وفيما لبنان يحتاج إلى استعادة الثقة به لدى الأسرة الدولية، يجب على السلطة السياسية أن تعمل بجدية وشفافية ومسؤولية على مواجهة أزماتنا الداخلية، والإسراع في إجراء الإصلاحات اللازمة. وإنا نناشد جميع وسائل الإعلام ومستخدمي تقنياتها الكف عن إظهار الوجه السلبي عندنا، ونشر الحقيقة الموضوعية، بعيدا من التجني والكذب والمأجورية. فباستطاعة هذه الوسائل أن تكون أداة حرب أو أداة سلام.”