عنصرية على لهيب الحريق!.. اليمين المتطرف يستغل حادثة كاتدرائية نوتردام، فما علاقة المسلمين بها؟

وقع أمرٌ غريب، وإن لم يكن مفاجئاً تماماً، في ظل مأساة يوم الإثنين 16 أبريل/نيسان. فبينما كان الكثيرون في جميع أنحاء العالم يشاهدون الكاتدرائية بالغة الشهرة في باريس تلتهمها النيران، بدأ آخرون على الفور محاولة لإشعال نيران جديدة. فعلى كلا جانبي الأطلسي، لجأ اليمينيون المتطرفون إلى الشبكات الاجتماعية لشحذ فؤوس الحرب الثقافية الخاصة بهم، متخذين من هذه الكارثة قصة رمزية للحظة السياسية الحالية، أو على الأقل فهمهم لهذه اللحظة، بحسب تقرير لصحيفة The Washington Post الأمريكية.

المسيحية انحدرت في أوروبا!

إذ قال المضيف بشبكة Fox News الأمريكية، تاكر كارلسون، وهو مذيع شهير يتهمه النقاد بتبني القومية البيضاء علناً في نشراته، إنَّ حريق نوتردام يعد «بشكل ما مجازاً لانحدار المسيحية في أوروبا». واستغل ضيفه، المعلق اليميني المتطرف مارك ستين، الفرصة ليعلن أنَّ «المسيحية في تراجع» وأنَّ الفرنسيين «ملاحدة»، وأنَّ المهاجرين المسلمين يسيطرون على المجتمع الفرنسي.




ودون أي دليل يشير إلى الحرق المتعمد، خلص بعض النقاد على الفور إلى أنَّ هذا الحريق كان من عمل الإسلاميين أو اليساريين. إذ أصدر فرانك غافني، الذي كان في الماضي قريباً من المعادين للمسلمين المؤمنين بنظرية المؤامرة، والذي تحظى آراؤه بقوة متزايدة داخل الحزب الجمهوري لإدارة ترامب، بياناً يربط فيه بين الحريق في الكاتدرائية والهجمات على «دور العبادة المسيحية» في فرنسيا وبين حملة مفترضة يقودها مسلمون ضد المسيحية، بحسب الصحيفة الأمريكية.

فقال غافني: «هذا النمط من الهجمات هو أحد أعراض هجوم المؤمنين بتفوق الشريعة على المسيحية في أوروبا، والذي غالباً ما يمكّن اليسار العلماني المتعصب في البلاد من حدوثه. وهو ما يشير إلى أنَّ هذا النوع من الاضطهاد الذي يصيب الآن حوالي 300 مليون من أتباع المسيح في أماكن أخرى في العالم يأتي بكل قوته إلى أوروبا أيضاً».

اليمينيون يلمحون لدور للمسلمين في الحريق!

وقد لمّحت أليس فايدل، الزعيمة بحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتعصب إلى الأمر ذاته، إذ كتبت تغريدة تربط فيها بين حريق كاتدرائية نوتردام وموجة من الهجمات على المواقع المسيحية في فرنسا. وبالنسبة إلى حزب يندد على نحو منتظم بالمهاجرين المسلمين والخطر الذي يشكله الإسلام على الثقافة الألمانية الوطنية، فقد كان المعنى الضمني واضحاً، بحسب الصحيفة الأمريكية.

لا تشتبه السلطات الفرنسية بأنَّ الحادث كان مدبراً، لكنها تحقِّق في الملابسات التي أدت إلى اندلاع الحريق، بما في ذلك إجراء مقابلات مع أعضاء من الشركات الخمس المختلفة التي تقوم بمشروعات تجديد حول الكاتدرائية. وقد نجح رجال الإطفاء وعمال الإنقاذ في إنقاذ معظم الأعمال الفنية والآثار الثمينة للكاتدرائية، وما تزال نوافذها الزجاجية الملونة الشهيرة سليمة إلى حد كبير. وقد تعهد المسؤولون الفرنسيون بإعادة بناء وإصلاح الهيكل التالف، وتعهد رجال أعمال أثرياء بملايين اليوروهات دعماً لهذا الإصلاح.

انهيار عصي على الإصلاح

ومع ذلك، فبالنسبة لزمرة من المفكرين المحافظين، بحسب الصحيفة الأمريكية، فإنَّ الحريق نفسه كان بمثابة نوع من الانهيار العصي على الإصلاح. إذ تساءل ستين، في حديثه لـFox News عن فائدة إعادة بناء الكاتدرائية ما دامت فرنسا العلمانية لم تعد متعلقة بـ «روح» المكان، على حد وصفه. واشتكى آخرون من عقود من الإهمال المفترض الذي كان يخيم على الموقع، فكتب المعلق البريطاني اليميني دوغلاس موراي: «لقد كانت الحضارة متعلقة بخيط واه، واليوم يبدو أنَّ واحداً من هذه الخيوط قد تهرأ، أو ربما انقطع».

ورثا بن شابيرو، وهو ناقد يميني أمريكي مؤثر له عدد هائل من المتابعين على الشبكات الاجتماعية، «انهيار أثر رائع من آثار الحضارة الغربية» وتبع ذلك بتغريدات شددت على «الإرث اليهودي المسيحي» الذي يُفتَرَض تجسيد كاتدرائية نوتردام له وواجب الجميع بإعادة تعريف «أنفسنا بالمبادئ الفلسفية والدينية التي بنته». وسرعان ما أشار النقاد إلى المعاملة الوحشية التي تعرض لها اليهود الفرنسيون لقرون بينما كانت الكاتدرائية قائمة. وأشار آخرون إلى أنَّ استدعاء شابيرو للقيم «اليهودية المسيحية» كان في هذه الحالة مجرد تعبير ملطّف «للبيض»، بحسب الصحيفة الأمريكية.

دعوات عنصرية

أما ريتشارد سبنسر، وهو أمريكي من الفاشيين الجدد يُنسَب إليه صك مصطلح «أقصى اليمين» للنظام الإيكولوجي للأصوات اليمينية المتطرفة على الإنترنت في الغرب، فقد كان أكثر وضوحاً، إذ غرد معرباً عن أمله في أن يؤدي الحريق الذي يلتهم كاتدرائية نوتردام إلى «تحفيز الرجل الأبيض على العمل -من أجل الاستيلاء على السلطة في بلاده، في أوروبا وفي العالم»، وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ هذا الحريق «سوف يكون قد خدم غرضاً جليلاً وسوف نبارك هذه الكارثة يوماً ما».

ويمكنك أن تتفهم شعور الأمريكيين بالصدمة عند رؤية هيكل أيقوني أقدم بكثير من بلدهم ذاته فجأة يلتهمه الدخان واللهب. إذ كتب غريف ويت لصحيفة The Washington Post الأمريكية: «بالنسبة لمواطني العالم الجديد على وجه الخصوص، يمكن للعالم القديم أن يبدو وكأنه قد نحت في الصخر منذ فجر التاريخ، وكذا فإنَّ كاتدرائياته وقلاعه وقصوره ودور الأوبرا الخاصة به تشكل خلفية ثابتة ودائمة الظهور في عالم تهيمن عليه الأمور سريعة التلاشي على نحو متزايد».

المسلمون لهم دور في شكل الكنيسة!

لكنَّ هوس اليمين المتطرف بكاتدرائية نوتردام بوصفها قوة جاذبة أبدية للحضارة «الغربية» تشويه للتاريخ. ذلك أنَّ «غربيتها» ذاتها أمر غامض: إذ لاحظ المؤرخ خوان كول أنَّ التقليد الفرنسي القوطي لم يتأثر بعمق بالفكر اليوناني الوثني فحسب، وإنما بالعمارة الإسلامية أيضاً، والتي من المحتمل أن يكون قد قابلها في إسبانيا الموريسكية. وأشار كول إلى هجرة الأنماط الفنية من جوانب أخرى من البحر المتوسط فقال: «جادل بعض مؤرخي الفن بأنَّ القوس المدبب تطوير مسلم لشكل ساساني إيراني، نُقل بعد ذلك إلى الكاتدرائية القوطية»، بحسب الصحيفة الأمريكية.

وأياً ما كان الأمر، فإنَّ هذه الكاتدرائية مترعة بالمعاني القومية بالنسبة للفرنسيين، بما يتجاوز أصولها الدينية. وبالنسبة للأكاديميين، فثمة القليل من الأمور الثابتة حول هذا الهيكل الذي تعرض لتحولات لا تحصى منذ تشييده. إذ كتب ويت عن الكاتدرائية قائلاً: «على مدار القرون، حُدِّثت وعُدِّلت وتدهورت ودُنِّسَت. إنَّ السقف المستدق الذي تحطم على نحو مذهل يوم الاثنين لم يُضف إلى الكاتدرائية إلا في وقت متأخر نسبياً، منذ قرن ونصف فحسب، بعد فترة من الإهمال الشديد».

تتباهى آفاق مدن عالمية لا تحصى بسقوف مستدقة وأبراج أجراس لهياكل المباني التي جُدِّدت بعد هدمها بفعل كارثة أو حرب. وقال الكاتب في شؤون العصور الوسطى ماثيو غابرييل: «إنَّ الكاتدرائيات الشاهقة التي تميز المشهد الأوروبي في معظمها آثار على المرونة، وشهادات على ما تستطيع بناءه بعد التهام النيران لما كان قد بني من قبل، وإنَّ الزجاج الملون المتوهج والأقبية المرتفعة التي نراها اليوم جاءت في الأغلب استجابةً مباشرة لمأساة أو كارثة».

وربما، لهذا السبب، لا يشارك كبار المسؤولين في القارة النظرة الكارثية نفسها لليمين المتطرف في الغرب. إذ قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك للصحفيين: «هذه ليست نهاية العالم».

إيشان ثارور كاتب متخصص في الشؤون الخارجية لدى صحيفة The Washington Post. كان يشغل منصب محرر أقدم ومراسل بمجلة Time، وكان مقره أولاً في هونغ كونغ ثم بعد ذلك في نيويورك.