//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

من حمص إلى الخرطوم: صرخة الحرية – الياس خوري – القدس العربي

في اللحظة التي بدا فيها وكأن النظام العربي القديم قد استعاد السيطرة، وسط حملات إعلامية منظمة من أجل تشويه صورة الربيع العربي ومحوه من الحاضر والذاكرة، انفجر البركان بشكل مفاجئ في السودان والجزائر.

انكشفت حدود جميع التحليلات السياسية التي رافقت الموجات الثورية الشعبية المتتابعة التي امتدت من تونس إلى مصر وسوريا والبحرين وليبيا، وتم إغراقها بالدم والقمع، وبدا وكأن مؤسسة القمع العسكرية نجحت في إعادة تأسيس نفسها فوق الأشلاء والمآسي والدماء.




صار نجاح النظام السوري في تحويل المدن إلى ركام والشعب إلى مئات الألوف من النازحين والتائهين في بحر الموت، بعبعا يجب أن يردع أي محاولة شعبية للتمرد، كما صارت الحرب الأهلية والدمار والتفكك في ليبيا واليمن عنوانا لفشل الربيع العربي وبؤس مشروعه السياسي، كما أصبح النموذج الذي قدمته الديكتاتورية العسكرية المصرية خشبة خلاص من الموت بالموت، وإلى آخره…

ورغم ذلك، انفجر البركان الشعبي في السودان والجزائر، وهو مرشح للانفجار من جديد في أي مكان من العالم العربي.

سوف يأتي علماء السياسة ليطلبوا منا التمهّل في إطلاق الأحكام، مشددين على مسألتين:

الأولى أننا يجب أن ندرس كل حالة عربية بمفردها، وأن لا نسقط في التعميم القومي أو «القومجي»، كما يقولون، وأن نتمهل في إطلاق الأحكام.

والثانية هي أن هذه الانتفاضات الشعبية لا تملك قيادة سياسية ولا مشروعا متكاملا، ما جعل ويجعل من سقوطها فريسة البترو دولار والتدخل الخارجي والأصولية الوحشية أمرا شبه حتمي.

ولكن ما فات الجميع ملاحظته هو أن العالم العربي يشهد ظاهرة جديدة عصية على التصنيف، نستطيع أن نطلق عليها اسم انفجار التعبير الذي يسبق السياسة ويرسم أفقها الأخلاقي.

تعالوا نقرأ الربيع العربي من منظور آخر، يحلل ظاهرة المظاهرات والاعتصامات الشعبية الهائلة التي أطلقت الحناجر بالهتاف والأغاني الشعبية، وملأت الأمكنة بالرقص واليافطات والكلمات الجديدة التي تمزج الفكاهة بالجدية، وتشير إلى الأعماق الإنسانية التي انفجرت في مواجهة آلات القمع العربية الرهيبة.

«كنداكة» السودان ومظاهرات الجزائر بالأهازيج التي حملتها أعادتنا إلى لحظة الانفجار في ميدان التحرير وفي حمص وحماة، وإلى حلقات الرقص السورية التي كانت أول الثورة. هذه العودة تدعونا إلى وضع المستوى السياسي جانبا، بشكل مؤقت، من أجل أن نكتشف ملامح هذا الربيع المرشح للبداية الدائمة.

نقطة الانطلاق هي الشعور العارم الذي انفجر فينا بأننا بشر، يحق لنا أن نتمتع بالحرية والعدالة. وكانت شرارة صغيرة واحدة اشتعلت في تونس كافية كي يشتعل بركان الغضب والأسى المتراكم ويتحوّل إلى لحظات متتالية تنتقل من بلد عربي إلى آخر.

عاد الناس إلى بداية التعبير، إلى الأغاني الشعبية التي توحدهم، انفجرت حنجرة إبراهيم القاشوش، وارتفع صوت عبد الباسط الساروت، ومعهما تشكلت ظاهرة يافطات كفرنبل، كأن ميدان التحرير بأغانيه ويافطاته وشعاراته وجد معادله السوري.

كان الناس يكتشفون قدرتهم على التعبير وحقهم في التعبير، هذا هو جوهر الربيع العربي الذي حجبته الدماء وحاول الأسى تحطيمه، وجرى إغراقه في مستنقع الكاز العربي الآسن.

وأمس أعاد السودان رفع صوت المرأة العربية بصفتها حاملة نبض الحرية، وطليعة التحرر من القمع، وغدا سوف ترتفع أصوات أخرى من أمكنة لا نتوقعها، كي تشير جميعها إلى حقيقة لم يعد تجاهلها ممكنا، وهو أن العالم العربي لا يشبه سوى بركان يتحين الفرص للانفجار على مساحة هذه القارة العربية الشاسعة.

لم يكن الربيع مؤامرة كما يحاول العسكر والمستبدون شيطنته، لكنه قام بتفجير كل الأوساخ العالقة في الجسد العربي القابع في الغيبوبة منذ نصف قرن.

في الانفجار سال لعاب قوى العتمة والظلام في ممالك النفط ومشيخاته، كما اعتقدت الدول الإقليمية القوية أنها تستطيع النفاذ من ثغرة وحشية المستبد وتمسكه الجنوني بالسلطة إلى قلب الجسد العربي، كما اتخذ الصراع الدولي شكله الحاد عبر التدخلين الروسي الكبير والأمريكي المتصاغر.

فجأة، وفي لحظة بداية اكتشاف العرب لحقهم في التعبير، انقضت عليهم جميع قوى العتمة كي تكشف مواطن الخلل في الجسد العربي الذي أنهكه الاستبداد ووقع في أسر خطاب أصولي أعمى.

ومع ذلك، فالبركان الذي يجري إخماده وتهشيمه في مكان، يعود إلى حيويته في أماكن أخرى، مؤسسا لعروبة جديدة لا تحمل الرطانة الفاشية والقومية والعسكرية، إنها عروبة الحرية.

ما يجب التوقف عنده هو هذا التوق إلى التعبير الأولي، إنه تعبير من أجل التعبير، أي من أجل تأكيد إنسانية البشر، «أنا إنسان مش حيوان»، صرخ السوريون. وكان لا بد من أن ننتظر ثمانية أعوام كي نسمع صدى هذه الصرخة من حنجرة النساء السودانيات، ونراها ترفرف عاليا مع العلم الجزائري.

هذه ليست دعوة إلى التفاؤل، فالتفاؤل والتشاؤم دفنا من زمان في فلسطين، وكان لأستاذنا إميل حبيبي الفضل في بناء ضريح كبير لهما في روايته «المتشائل».

هذه دعوة للانطلاق من البدهيات والبناء عليها.

نعرف أن حقنا في التعبير وفي الوجود مغمس بالدماء والأسى والخيبات وما بعد اليأس، ونعرف أيضا أن علينا أن نعيد تأسيس الوعي والعقل والرؤية، لكن هذه المعرفة لم تكن متاحة قبل أن ينفجر فينا بركان التعبير الذي جاء كمفاجأة صاعقة، ولا يزال محمّلا باحتمالات شتى.

هذا الربيع العربي المغدور هو موعدنا الذي يجدد نفسه، فيجبرنا على أن نبدأ كل يوم من جديد.