//Put this in the section

هل تصمد الحكومة في معركة التقشف من حساب الموظفين؟

سابين عويس – النهار

من الارجنتين الى اليونان او تركيا، تتعدد نماذج الانهيار المالي التي يمكن ان يحذو لبنان حذوها اذا تعثر الوصول الى تأمين القرار السياسي الذي يظلل القرارات غير الشعبية والموجعة التي تعتزم الحكومة اتخاذها قبل فوات الاوان.




لم تكن استعادة رئيس الحكومة سعد الحريري النموذج اليوناني محض مصادفة، على هامش زيارة الرئيس اليوناني لبنان قبل أيام.

ولم يكن تخيير وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل موظفي الدولة بين خفض رواتبهم أو عدم قبضها نابعا من فراغ، خصوصا اذا استعدنا تحذيرات وزير المال علي حسن خليل قبل أشهر من خواء الخزينة من الاموال، او تغريدات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قبل نحو شهر، وقد حمَل فيها القيادات السياسية “مسؤولية كبيرة” عن ارتفاع حجم القطاع العام نسبة الى الناتج، والذي بلغ 35 في المئة مقارنة مع 17 في المئة قبل الحرب، ولا سيما أنه تبين للحاكم أنه بعد شهرين من تشكيل الحكومة لم تبحث في أي برامج إصلاحية تضع لبنان على مسار إصلاحي”.

لا شك في أنّ تحذير سلامة كان له وقعه الاكبر، بدليل أن الحكومة سارعت الى إقرار خطة الكهرباء في اول رسالة توجهها الى الأسواق الداخلية والخارجية وتحديدا الى المانحين حيال التزامها المضي في الاجراءات الاصلاحية، لتنتقل بعدها كل المواقف الى النقطة الاهم التي أثارها سلامة والمتصلة بحجم القطاع العام. وقد بدأت حملة التحضير للإجراءات الموجعة التي ستطال موظفي القطاع العام.

في الواقع، لم يأت تهديد سلامة من عدم، بعدما درجت العادة لدى السلطة السياسية على اللجوء الى المصرف المركزي وهندساته المالية مع المصارف للاستمرار في تمويل الدين وعجوزات الخزينة. وكان آخرها الهندسة التي أدت الى رفع معدلات الفوائد لتحفيز المصارف على الاكتتاب من اجل تمويل دفع رواتب القطاع العام.

في المقابل، لم تبادر الحكومة الى اي خطوة من شأنها ان ترسل اشارات ايجابية او جدية حيال التزامها خفض الانفاق العشوائي في مسارب الإهدار والفساد، بل جاءت الارقام المحققة في موازنة 2018 كارثية وتنذر بانهيار وشيك ما لم يتم تدارك الوضع. فالإنفاق استمر على وتيرته التصاعدية، مقابل تراجع في الايرادات رغم الضرائب التي استحدثت في موازنة 2018 لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، وهو ما أدى الى ارتفاع مقلق في نسبة العجز المالي يناقض كل ما التزمته الحكومة في مؤتمر “سيدر” الباريسي.

وأصبح واضحا أنه لن يكون امام الحكومة اي خيار من اجل تمويل حاجاتها عبر القطاع المصرفي او حتى من اموال “سيدر” المخصصة أساسا لوجهات تتعلق بالبنى التحتية والاستثمارية، الا مباشرة سدّ ما يمكن من منافذ الإهدار في القطاع العام.

وعليه، فإن العمل جار حاليا على أكثر من محور يقوده رئيس الحكومة من جهة ووزير الخارجية من جهة اخرى من اجل تأمين اجماع القوى السياسية على رفع الغطاء عن التقديمات والعطاءات التي شكلت في ما مضى مادة انتخابية شعبوية بامتياز. فالزمن الآن ليس زمن انتخابات كما حصل عند اقرار سلسلة الرتب والرواتب، والخزينة لم تعد تحتمل ترف تلك التقديمات والعطاءات، خصوصا انها لا تقف عند حد مستحقيها.

وتشكل الايام القليلة المقبلة الفاصلة عن موعد جلسة مجلس الوزراء مساحة لرفع مستوى التحذيرات المالية تمهيدا لـ”تبليع” الاسلاك التي ستطالهم الاقتطاعات، الإجراءات المرتقبة.

وبحسب مصادر مالية متابعة، فإن الاقتطاعات لن تكون عشوائية، بل ستتناول بعض العطاءات والتقديمات الاجتماعية او الاستثنائية ولا سيما في مجال المنح التعليمية او البدلات والتعويضات، فضلا عن الرواتب التقاعدية التي قد يطالها مقصّ الاقتطاع.

وتستبعد المصادر ان تتراجع الحكومة عن قراراتها، مشيرة الى ان رفع سقوف الاجراءات سيؤدي لاحقا الى الوصول الى ما هو مطلوب اساسا، خصوصا ان الوقت ليس لمصلحة المزايدات او الشعبوية في هذا المجال.