//Put this in the section

”حزب الله” يهادن داخلياً ويتهيأ خارجياً… أيّ مستقبل بعد الحصار والضغوط؟

ابراهيم حيدر – النهار

يسلك “حزب الله” مساراً داخلياً مختلفاً عن السابق. تعكس مواقفه وممارساته تجاه الأطراف والقوى الأخرى هدوءاً يتمظهر بتجنب افتعال سجالات أو إشكالات مع أحد. وعلى رغم تصعيد الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله ضد الولايات المتحدة وإعلان وقوفه إلى جانب الحرس الثوري الإيراني في مواجهة العقوبات، ثم دعوته اللبنانيين إلى “التضامن ونبذ الفتنة التي يسعى إليها الأميركيون، ويروِّجها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو”، إلا أنه تجنَّب توجيه الاتهام الى اي طرف داخلي، على عكس خطابات سابقة كان يستحضر فيها كل عوامل الصراع مع قوى لبنانية أخرى.




يأخذ “حزب الله” في الاعتبار اشتعال المواجهة الأميركية – الإيرانية، ويعرف أنه سيكون جزءاً منها، وكذلك في مواجهة اي عدوان إسرائيلي، لذا يتهيأ، وفق مصادر مقربة منه، لكل الاحتمالات ويطلق التهديدات ويصعِّد خارجياً، في حين يريد التهدئة في الداخل لأسباب تتعلق بوضعه الذي يتعرض للنزف مالياً، إذ إن أي معارك داخلية اليوم تنعكس سلباً على بنيته، وبالتالي هو لا يريد توفير ظروف داخلية تُستغل اقليميا للإنقضاض عليه، أو أي ذرائع لها علاقة بالعقوبات الأميركية. لذا يهدف الحزب إلى تحصين جبهته الداخلية وتحالفاته لعدم استفراده، خصوصاً أنه ليس مهيئاً في ظل الأزمة لمواجهة حرب إسرائيلية، ولا يستطيع الخروج من سوريا إلا بقرار إيراني، على رغم عدم قدرته اليوم على تلبية كل متطلبات التمويل الذي تقلَّص إيرانياً إلى حدود دنيا من جراء العقوبات.

الواضح، وفق مصادر سياسية، أن “حزب الله” يتخوف من تطورات مفاجئة على جبهة الجنوب اللبناني، بعد فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية وقدرته على التحرك والمناورة أكثر بتغطية من الرئيس الاميركي دونالد ترامب. لكن الحزب وعلى رغم تخوفه، يستبعد الحرب الإسرائيلية ويركز على محاولة تخفيف نتائج الضغوط التي يتعرض لها من جراء العقوبات وسياسة التصعيد الأميركية ضد إيران، وهو لهذا السبب اتخذ اجراءات عدة بسبب تراجع التمويل والقدرة على سد الحاجات في بيئته.

وفق المعلومات الاخيرة عن الأزمة المالية لـ”حزب الله” أنه اتخذ اجراءات لمواجهة الحصار، فتبيّن أنه اقتطع نسبة 50 في المئة من رواتب عدد كبير من متفرغيه في قطاعات غير عسكرية. وأفادت مصادر مقربة من الحزب أنه استغنى عن خدمات عدد من متفرغيه في قطاعات مدنية، كما استغنى عن خدمات عدد من الذين يعملون في شكل جزئي.

بيد أن الحزب حافظ على بنيته القتالية الأساسية عبر اعطائها الأولوية بالرواتب التي استمرت على نحو ثابت، لكن معلومات غير مؤكدة تشير الى ان خفضاً جرى عليها بنسبة 20 في المئة، علماً أن رواتب المقاتلين المتفرغين في شكل دائم مرتفعة نسبياً عن الآخرين في شبكات الحزب وقطاعاته المختلفة. أما الذين كانوا يتطوعون لمدة معينة مقابل رواتب مقطوعة، فقد ألغاها وحصرها بعدد معين على قاعدة التطوع بلا رواتب في أكثر من منطقة لبنانية وفي سوريا، وذلك دعماً للمقاتلين المتفرغين.

تفيد المصادر أيضاً أن الأزمة المالية من جراء العقوبات الأميركية على إيران والحزب والتضييق على الداعمين للأخير في غير دولة في العالم، اشتدت وبلغت ذروتها، وهو ما أدى إلى تراجع الملاءة المالية للحزب، لكنها لم تنتهِ، فوفق المعلومات أن “حزب الله” عمل على تجميع مبالغ مالية احتياطية يستخدمها وقت الأزمات. وكي لا تجف هذه المبالغ التي تراكمت بعد تدخّل الحزب في الأزمة السورية، بدأ حملة تبرعات بين جمهوره. لكن المشكلة الاخرى التي يعانيها الحزب تتمثل في تسديد المبالغ المالية والمساعدات لأهالي الضحايا وعائلاتهم والجرحى والمعوقين، إذ إن الأجواء ضمن هذه القطاعات تضع الحزب امام مواجهة جمهوره.

أزمة التمويل كان لها وقعٌ على بنيته، لكن سياسته الهادئة في الداخل ليست بسبب الضغوط وحدها، إذ إنه بترقّبه لتطورات مفاجئة عسكرية، يعمل على تحصين وضعه داخلياً وعدم ترك أي ثغرة تحمّله مسؤولية الإنهيار في البلد. لذا رفع الصوت بداية في مكافحة الفساد، لكنه توقف عن متابعتها كي لا يصطدم بأطراف أخرى، علماً أنه حاول ضبط الفساد في بيئته من دون أن ينجح حتى الآن. وتنقل المصادر عن مسؤول في الحزب أنه اتخذ قراراً بعدم التصعيد ضد خصومه، والتصرف في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب وفق المصلحة التي تبرر الموافقة مثلاً على مشاريع لـ”القوات اللبنانية” من دون أن يلتقي معها سياسياً، ثم العمل على حماية التسوية، من خلال تحييد الرئيس سعد الحريري والتواصل معه، ونزع أي فتيل يؤدي إلى الاشتباك السياسي، لذا لم يتدخل في الانتخابات الفرعية في طرابلس ولم يصدر عنه اي موقف دعماً لحلفائه أو ترشيح أي شخصية معارضة للرئيس الحريري. حتى عندما يتحدث البعض عن سلاح الحزب، يحاول استيعاب الموضوع، على رغم فائض قوته. انعكست سياسة الحزب في الداخل على مواقف الأفرقاء، فما عاد الخصوم يتحدثون عن تدخله في الحرب السورية، ولا عن السلاح وفائض القوة. هو نجح إلى حد بعيد في استيعاب صدمة العقوبات، ويستمر في سلوك هادئ منعاً لمحاصرته مجدداً وتحميله أي مسؤولية عن انهيار البلد. ويعي “حزب الله” أن أي تصعيد داخلي سيؤدي إلى أزمات إضافية في بنيته وبيئته، ويتابع في الوقت نفسه الموقف الإيراني وتعامله مع العقوبات، إذ إن إيران تتجنب إلى اليوم المواجهة مع الاميركيين، ما يعني أن المعركة مؤجلة في انتظار تطورات تعيد خلط الأوراق في المنطقة.

هل تكتيك “حزب الله” وسياسته الراهنة يؤسسان لمرحلة جديدة من الأداء السياسي؟ تشكك مصادر سياسية متابعة في أن يسلك الحزب مساراً دائماً بالعودة إلى حاضنته اللبنانية، طالما انه يراهن على تغيرات خارجية، إذ إن استثمار فائض القوة له محطات في حالات الصعود، وهو الذي وصل الى الذروة وحقق ما يصبو إليه في التوازنات الداخلية اللبنانية، فيما يلتزم الحزب القرار الإيراني دوماً كمرجعية… وعليها يبني خياراته وممارساته!